قراءة في البيان الخامس للمرجعية العليا..!
إيليا إمامي ||

صدر اليوم البيان الخامس للمرجعية الدينية العليا حول المواجهة الإيرانية الصهيوأمريكية.. حيث إن المرجعية العليا أصدرت خمسة بيانات في هذا الشأن حتى الآن.. (تجدها في الملف المرفق).
وأدناه قراءة مختصرة في دلالات هذا البيان مستندة إلى مفاده.. ومفاد البيانات الخمسة مجتمعة.. لنخرج بصورة دقيقة حول رؤية المرجعية العليا لهذه المرحلة الصعبة:
كما عوّدتنا المرجعية.. في اللحظات التي تتعرض فيها الطائفة للخطر.. أن تكون هي المبادر الأول لوضع (وثيقة دفاع استراتيجية) تعيد صياغة المشهد.. وتقوم بدور (كابح صدمات) وتبصّرنا بخطوتنا التالية.
وأمام محاولة الرجلين المجنونين بالعظمة التوراتية (ترامب ونتنياهو) فرض واقع جديد عبر القوة الغاشمة.. باستهداف القيادات وتدمير المدن.. تحاول المرجعية العليا أن تضع مصدّات روحية واجتماعية تمنع الانهيار.. بالتوازي مع القوة والبسالة التي يبديها المدافعون.
وإليك تفكيك هذا المشهد عبر ثلاثة محاور أساسية:
المحور الأول: الصورة التي تحاول المرجعية رسمها للمعركة لنخاطب بها العالم.
تحاول المرجعية انتزاع (الشرعية الأخلاقية) من يد المعتدي.. وتأطير الصراع بوصفه اعتداءً على المنظومة القيمية والقانونية للبشرية جمعاء.. وذلك من خلال:
1. تجاوز البعد السياسي.. وتصوير العدوان كخروج عن الفطرة الإنسانية والقوانين التي تحكم العالم.. وليس مجرد صراع على مصالح أو نفوذ.. ولا تقديم خدمة للعالم بمنع (الأشرار) من امتلاك سلاح نووي.. كما يروجون.
* قوله دام ظله ( استشهاد أعداد كبيرة من المواطنين، وبينهم العديد من الأبطال المدافعين عن بلدهم وعشرات الأطفال وغيرهم من المدنيين الأبرياء ….. في مشاهد غريبة لا عهد للمنطقة بها منذ أمد بعيد).
2. نزع غطاء المشروعية الدولية.. والتأكيد على أن الممارسات العسكرية الحالية.. تبدو كتصرفات عصابة تضرب كل ما توافق عليه المجتمع الدولي من أعراف تحمي الدول وسيادتها.
* قوله دام ظله: ( إن اتخاذ قرار منفرد بمعزل عن مجلس الأمن الدولي بشنّ حرب شاملة على دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة لفرض شروط معينة عليها أو لأسقاط نظامها السياسي – بالإضافة الى مخالفته للمواثيق الدولية – بادرة خطيرة جداً وتنذر بنتائج بالغة السوء على المستويين الإقليمي والدولي)
* الأثر المتوقع لهذه النقطة: بينما يهدد الحرس الثوري حلف الناتو بقصف أوربا إذا تدخل في الحرب.. ينطلق صوت النجف ليخاطب الجهات الدولية بأن الإيرانيين يدافعون عن أنفسهم.. وبدل مشاركة ترامب في جنونه .. وبدل ضعف ألمانيا وغيرها ومجاملاتهم للرئيس المجنون.. عليهم أن يقفوا في وجهه.. وهي نفس النقطة التي يركز عليها المؤثرون في الداخل الأمريكي أمثال تاكر كارلسون.. والمحللون أمثال جون ميرشايمر.
القسم الثاني: المخاطر التي تحذر منها المرجعية.
منذ البيان الأول قبل ثمانية أشهر.. كانت المرجعية تبدي تخوفها وتحذيرها.. وتنطلق تحذيرات النجف من فهم دقيق لـ (السيولة الأمنية) التي تتبع استهداف القادة الكبار.. وتتركز هذه المخاطر في:
1. خروج الصراع عن السيطرة: التحذير من تحول المنطقة (إيران وما حولها) إلى ساحة مفتوحة للفوضى.. التي لا يمكن لأي تكنولوجيا عسكرية أو استخباراتية أو قوات على الأرض كبح جماحها بمجرد انطلاقها.. فانهيار النظام لو حصل لا سمح الله.. فهو البداية الحقيقية للفوضى.
2. تدحرج كرة النار: التنبيه إلى أن العواقب لن تقتصر على إيران.. بل ستطال أوضاع المنطقة برمتها.. وبما فيها مصالح من أشعل هذه النار.. وبالتحديد أمريكا.. وهو ما بدأ بالفعل.
* قوله دام ظله: (بل من المتوقع أن يتسبب في نشوب فوضى عارمة واضطرابات واسعة لمدة طويلة تلحق الويلات بشعوب المنطقة وبمصالح الآخرين أيضاً).
الأثر المتوقع لهذه النقطة: تعتبر الحالة المرجعية.. ومرجعية السيد السيستاني بالتحديد (وسطاً موثوقاً) يمكن التقاء وجهات النظر لديه.. والمأمول أن تلقى كلماته أثرها لدى الجميع وأولهم الدول الخليجية .. خصوصاً مع انكشاف حقيقة أمريكا كشريك غير موثوق.. بعد تركها للجميع -باستثناء الكيان- دون حماية.. في مقابل الترليونات التي استولت عليها منهم..
كما أن هذه الكلمة من مرجع ديني يقلده الملايين.. ويعرف دقائق الأمور ومآلاتها.. ويشكل مرآة واضحة لاتجاهات الحراك.. تعطي تصوراً واضحاً لمن يثقون به في الداخل الأمريكي.. وبعضهم شيعة وربما مقلدون لسماحته .. ومنهم سياسيون مؤثرون وتجار مرموقون وجماعات فاعلة في أمريكا.. كلهم يستطيعون التصرف في الداخل وفق هذا التقييم.. على الأقل تحت شعار الحفاظ على مصالح أمريكا.. في مقابل لوبي صهيوني يقود الإيرانيين المطالبين باسقاط النظام.. ويجوبون شوارع نيويورك وواشنطن.
القسم الثالث: المطالب التي تستهدفها المرجعية وتريد تحقيقها.
خلف الانضباط الذي تميز به بيان المرجعية..
تكمن مخاوف حقيقية حول (معادلة البقاء) وهي التي علمتنا أن نواجهة التحديات بروح من التفاؤل والحذر.. وأعتقد أنها في هذا البيان تهدف إلى تحقيق خطوات عملية لإنهاء النزيف.. وتتمثل في:
1. تفعيل الضغط الدبلوماسي الإسلامي: مطالبة الدول الإسلامية والجهات الدولية الفاعلة بمغادرة مربع المراقب.. والتحرك الجاد لوقف آلة الحرب عبر التنديد والتضامن.. لأن إيران لو سقطت فستكون الأولى في استباحة الصهاينة للأمة.. وليست الأخيرة.
قوله دام ظله: (ومن هنا فإن المرجعية الدينية العليا إذ تدين بأشدّ الكلمات هذه الحرب الظالمة وتدعو جميع المسلمين وأحرار العالم إلى التنديد بها والتضامن مع الشعب الإيراني المظلوم).
2. المخرج القانوني العادل: يبدو المجتمع الدولي كالمعبد الذي يوشك على الانهيار.. الجميع ينساق وراء ترامب ولا يقوى على مخالفته.. ورغم أن منطقتنا العربية والاسلامية ليست أحسن حالاً في هذا الخضوع والتردد.. لكنها الأكثر حاجة لإنهاء هذه المسألة .. وعليها الضغط لحصول ذلك .. وإعادة أمريكا إلى مجلس الأمن قبل تحول العالم إلى غابة.
قوله دام ظله: (ولا سيما الدول الإسلامية لكي يبذلوا قصارى جهودهم لإيقافها فوراً وإيجاد حلّ سلمي عادل للملف النووي الإيراني وفق قواعد القانون الدولي).
الأثر المتوقع لهذه النقطة: قد يبدو الحديث عن القانون الدولي أمراً ترفياً أصبح من الماضي.. لكن الواقع يقول أن كل حرب تنتهي .. يجب أن تكتب وثيقة بعدها ليتم الالتزام بها.. وحرب الـ12 يوم انتهت بلا وثيقة ولا اتفاق لذا عادت من جديد.. ويجب أن يتم الضغط على أمريكا للخروج من هذا الوضع تجاه إيران.
الخلاصة: بيان اليوم له سقف وأرضية:
السقف: دعوة الجميع في العالم وأولهم المسلمون.. ليشكلوا عمق إستراتيجي لإيران يضغط على أمريكا.
الأرضية: دعوة (أحرار العالم) للتضامن مع إيران.. وبالتأكيد نحن في العراق أول المدعويين لذلك.. فما الذي يمكننا فعله لإخوتنا وكل من موقعه؟ هذا ما سأذكره في المقال القادم.




