الأربعاء - 10 يونيو 2026

ألقاب أشهر القادة في الحضارة الرافدينية..!

منذ 3 أشهر
الأربعاء - 10 يونيو 2026

علي عنبر السعدي ||


الفحل – الملاّك – أبن المدينة – النشيط – ضياء المحاربين – المثقف

عبر عصور طويلة في التاريخ ،شاع استخدام القادة ((الملوك)) لألقاب وصفات ذكرهم التاريخ بها حصراً ، أو التصقت بسيرتهم . .

أول القادة ممن اتخذوا ألقاباً ،كانوا من بلاد الرافدين ، وأشهرهم حسب التسلسل الزمني هم (الستة الكبار) كَلكَامش – شروكين – أو رنمو- حمورابي – سنحاريب – نبوخذ نصر.

كلّ هذه الأسماء ،هي صفات اتخذوها للتعبير عن زمنهم ،ولإضفاء هالة على شخصياتهم ، كي تمنحهم بعداً انسانياً /عملياً ،في الوقت عينه . .

1- (كلكامش – كال كاموش) كان فحل الجاموس عند السومريين حيث البيئة وفيرة المياه العذبة ، والأهوار دائمة الخضرة ،هو رمز القوة والفحولة ، وكانت قوته تظهر في قرنيه حيث النطحة القاتلة حين ينتابه الغضب . (*).

(كال كَاموش) رأس الجاموس، هذا ما أطلق على ذلك الملك الأسطوري ، ف(كال – رأس (1) و(كَاموش – جاموس ) لذا حملت تلك الصفة من الايحاءات ،ما يلائم ملكاً مثله ، إنه الفحل بقوته وجبروته ،لكنه الأليف غير المفترس ، إن لم يتعرض للأذى ،فيكون غضبه مدمراً ، وهذا ما أراد أن يوحي به (كلكامش) للأصدقاء والأعداء معاً . .

2- (شاروكَي- شيروكين ) صاحب الشارة – نشيد الحقول – الملك الجبار المنتصر في كل معاركه ال 36 ،وطوال سنوات حكمه ال 54- عاش يتيما لايعرف له أباً ،بعد أن رمته أمّه في النهر ،فرّباه بستاني . .

كان مجهول النسب ،فقيراً خرج من (الماء والطين ) في بيئة تقدّس الماء كما تقدس الطين باعتبارهما مصدر الخير والنماء ،لذا جاءت اساطير الخلق لتؤكد هذه القداسة ،حيث خلق الإنسان من ماء وطين ، المتوفران بكثرة في تلك الأرض المعطاء .

القمر في ليال صافية خالية من الغيوم معظم السنّة ،كان مصدر الأنس والبهجة في بلاد جعلت من القمر، أغنية خالدة ، أطلقوا عليه (سن) التي قد تعني (الضحوك أو المبتسم) لذا فلاغرابة أن يطلق البستاني على ذلك الملتقط الرضيع اسم مو سن – قمر الماء ).) .

يصبح ذلك الفتى ساقياً للملك ،ثم يصل الى الحكم بعد سلسلة من المعارك أظهر فيها قدرة قيادية وعبقرية عسكرية فذة ، وما كان لوضعه ك(لقيط) كما يشير إليه اسمه الأول (قمر الماء ) أن يعيقه ، لذا قابل ذلك بلقب آخر (نشيد الحقول (شيروكَين (2) أي تلك الحقول الخصبة ،التي ستصبح رمزاً للمكانة والثروة (3)، لقد قالها بوضوح :إن كنت مجهول الأب ،فأنا ابن هذه الأرض ومالكها وحاميها ،وليس من نسب أشرف من ذلك (**). .

– 3- أور نمو ومفهوم دولة المواطنة –(أور – مدينة – نمّو – الآلهة الأم –راعية النماء والخير ، والمباركة لحياة الأسرة ، من رحمها ولد الآلهة الكبار (آن – وإنكي ) السماء والأرض .

ذلك هو الإيحاء الرمزي الذي حمله القائد الذي قاد أول ثورة تغيير أطاحت بطاغية ، آل على نفسه أن يعمل على بناء دولة يحتكم الناس فيها الى قانون منصف ويتمتعون بحقوق مدنية ،لتكون (دولة مواطنة). )

إختار ذلك الإسم المشعّ بالإيحاءات والدلالات ،فهو المدينة بكل ماتحتويه من تحضّر وسلوك ، وهو المبارك من ( الأم ّ) العظمى واهبة الحياة بسمائها وأرضها ، لذا كان عليه أن ينجز ما يكون جديراً بما حمله من اسم (أورنمّو ) المدينة الأّم ، أو (أمّ المدن ) وحاكمها المبارك ،الذي لم يمهله الأعداء ليكمل مسيرته ” وحمل النهر جثته ” لتجهض بذلك أول محاولة لقيام دولة مدنية تحترم حقوق المواطن..

4- حمورابي : (الإحماء ) حركات جسدية يقوم بها الرياضي لتنشيط جسمه وتهيئته ، تمهيداً للدخول المباراة ، وكلما زاد الرياضي من تمارينه ،كلما ازداد نشاطه وقدرته لأ داء رياضته التي تحتاج الى تركيز ذهني وقوة بدنية .

حين تسلم الحكم ،كان شاباً في العشرينات من عمره ، فجمع الى حماسه ،نشاطاً دؤوباً حارب وانتصر وسن قوانين ملزمة أبقت ذكره حاضراً على امتداد الأزمنة .
حمو(الأحماء ) كذلك يمتد المعنى الى (الحماية والحامي ) ورابي – المتواصل أو الدائم- أوالمشرف والمتابع والمراقب من مكان مرتفع ، إنه ذلك الاشتقاق الساحر، الذي يليق بشاب متحمس.

تسلّم حكم امبراطورية شاسعة ، مكونة من شعوب كثيرة ومتنوعة ، فحافظ على وحدتها وزاد عليها وقهر كل اعدائها ،وقد لخص ذلك بالقول (قهرت الأعداء ،ونشرت الأمن ،وآخيت بين الناس ) تلك أعمال يعجز عنها قادة في بلدان أصغر، رغم تطور وسائل الاتصال وأدوات القتال ،فكم احتاج ملك في تلك الأزمنة ،من الجهد والنشاط ليفعل كل ذلك ؟ وماذا يستحق من لقب ؟ وفي الوقت عينه ،لم تشغله مهماته الحربية المتواصلة ، وشؤون الحكم المعقدة ،من تشريع قوانين عالجت مختلف القضايا الحياتية لمواطنيه ،وفرض تطبيقها على تلك الامم والشعوب ،ومازالت موضع استلهام وتقدير عبر الأزمنة ،إنه باختصار ، حمورابي (فائق النشاط والحامي والمشرف )أو (النشيط ) وكفى . .

5- سنحاريب : إسم يذكرّ في دلالاته قول المتنبي في وصف سيف الدولة (تمرّ بك الأبطال كلمى حزينةً – ووجهك وضّاءٌ وثغركُ باسمُ ) وذلك وصف ينطبق على (سنحاريب )حيث اشتق أسمه من القمر(سن) و(حاريب ) المحارب أو (رفيق السلاح ) أو مايقاربها.

الإيحاء الرمزي في مقاربته اللغوية ،يعني باختصار (قمر المحاربين أو ضياء المحاربين ) والمقاتل المبتسم بوجه المحن والصعاب ، وكان ذلك بمثابة تميّز عن أخوته الكثر، فهو قاهر الجبابرة ومخضع المدن والملوك ،يخاطب حزقيا الذي رفض دفع الجزية (“مَنْ مِنْ كُلِّ آلِهَةِ هَذِهِ الأَرَاضِي أَنْقَذَ أَرْضَهُمْ مِنْ يَدِي حَتَّى يُنْقِذَ الرَّبُّ أُورُشَلِيمَ مِنْ يَدِي؟” (إشعياء 36: 20) فيضطر حزقيا الى دفع الى دفع 40 وزنة من الذهب و800 من الفضة اتقاء لغضب (قمر المحاربين) ومقربّ الحكماء ،حيث كان وزيره (أحيكار الحكيم )أشهر الحكماء في بلاد آشور .

6 – نبوخذ نصّر: تلك التسمية التي أوردها العهد القديم ، لم تبعد كثيراً عن المعنى الحقيقي للتسمية ، التي يمكن اختصارها (المنتصر بنابو) ونابو هو إله الكتابة وراعي الفنون عند البابليين ، أما الاسم الرافديني للملك ،فهو (نابوكودرا آسر) وكَودرا تطلق على علامة الحدود .)

كانت عادة الألقاب قد شاعت في بلاد الرافدين منذ عهد بعيد سبق نبوخذ نصّر، وكان أقربهم اليه ملوك آشور ،الذين اهتموا بالحكمة والثقافة ، ومكتبة آشور بانيبال ،كانت الأشهر والأكثر تنوعاً وحجماً ،وقد أهتم الملك الآشوري بجمعها وتبويبها وفهرستها ، فجاءت تحفة تلك العصور ، لذا فليس أقلّ من أن يخلد الملك الكلداني نفسه باهتمامه بالثقافة ليضيفها الى مآثره الحربية وانتصاراته المدوّية ، لذا جاء لقبه ليوحي باختصار (المثقف ).

– (*) يروي سكان الأهوار من مربي الجاموس ،ان الفحل حين يغضب ،فإنه يكون شديد الخطورة ، وقد يلجأ الى تدمير بيوت القصب في فورة غضبه ،أو يقتل من يتصدى له .

-مازالت كلمة الفحل تطلق على الرجل القوي الشجاع أو الشاعر المجيد ،كما استخدمت للقسم بالإمام علي المعروف بقوته وشجاعته (وعلي الفحل ) ).

((كلّة ) المشتقة من كال ، مازالت تستخدم في العراق بمعنى رأس – حيث يهدد الفتيان بعضهم بعضاً (اضربك كلّة أو أنطحك كلّة )

كَين ) مازالت تستخدم في أرياف جنوب العراق ،بالمعنى ذاته (طين) فيقال (أكين التنور )أصنعه من الطين واصقله بالطين ، كذلك قد يلفظ شيروكَين ، و(شير) تسمية للأسد ، وللنشيد . .

– الملاّك (الملّاج) تطلق على صاحب الحقول والأرض الزراعية ، وفي مصر يطلق عليه (صاحب أطيان)).

– وضع أورنمو تشريعات قانونية تعد الأولى من نوعها في التاريخ ،أشتملت على تنظيم العلاقات بين حقوق وواجبات أفراد المجتمع والعلاقة بالسلطة الحاكمة ، كما نصت على منع الكهنة وكبار الموظفين من استغلال وظائفهم الدينية والحكومية لتحقيق النفوذ والثراء على حساب الشعب”.

(ماتزال كلمة ( كودرا أو كوترا) تطلق في العراق على الأخذ بالقوة أو التجاوز للحدود.
(**) شيروكين – كما يشير بعض المؤرخين – هو ابن اوتو حيكال أول من وضع قانون حقوق الانسان (لايقع اليتامى والضعفاء تحت ظلم الأقويا) – انقلب عليه لوكال زاغيري وقتله ،ثم طارد ذريته ،فاضطرت زوجته الكاهنة ،وضع وليدها في قفة مطلية بالقار ،ورميه في نهر الفرات ،كي لايقع في قبضة الملك .