وداعة الصحابة وشراسة الخلفاء – دراسة.. نقاط غامضة في تاريخ مجهول..!
علي عنبر السعدي ||

– قوة السلطة وحقيقة المتسلطين
عند المحققين الجنائيين ،ان تناقض أقوال المتهم للحدث الواحد ، تعني انه يكذب ، وحين توجه له الأسئلة أكثر من مرة حول القضية ذاتها ،فإنها في الغالب يسهو عما قاله قبلها .
ما يورده التاريخ عن سيرة أشهر الصحابة (الثلاثة الراشدين) يبدو متناقضاً وانتقائياً ،يترك نقاطاً غامضة يملأها اصحاب الحديث بما يشاؤون .
استأثر عمر بن الخطاب ،بالمرويات الأكثر اثارة في التاريخ ،وقد قدمته تلك المرويات بصورة انسان خارق لم يظهر في مسارات الأمم مايشابهه ، فهو شجاع درجة البطولة ،تخشاه الناس وتتجنب ذكره ، وتسقط النساء أجنّتها اذا صرخ عليها ،كما انه يحمل عصا يضرب فيها اية شخص دون ان يُرد عليه ،كان فظاً غليظاً ، لكنه في الوقت عينه عادلاً حكيماً في قراراته وادارته للدولة والرعية .
لم يكن لعمر شأن يذكر قبل ظهور الاسلام ،فلم يُعرف عنه انه من فرسان قريش ولا أهل الكرم فيها ،كذلك ليس من أصحاب المال وقوافل التجارة ، والبطن الذي ينتمي اليه (عدي )كان من أصغر بطونها وأبعدهم عن مراكز القرار .
وبالتالي فالحديث الذي ينسب للرسول (اللهم انصر الاسلام بأحد العمرين) لايبدو منطقياً انه قصد من بينهما عمر بن الخطاب ،فيما كان الأول الفارس المشهور عمرو بن عبد ود ، الذي يبدو الخطاب منسجماً مع هيبة وسمعة ذلك الفارس ، الذي بإمكان اعتناقه للإسلام ،ان يكسب المسلمين قوة وهيبة .
هاجر المسلمون الى الحبشة ،وبعدها الى المدينة ، وهناك تجمعوا ليتحولوا الى قوة متنامية ، لكن الرواة ، لم ينسوا ان يدخلوا بطولة لعمر ،فقد وقف في الكعبة منذراً انه سيهاجر الى المدينة ،ويتحدى قريش ان تمنعه من ذلك .
كانت رواية ساذجة والافتعال واضح فيها ،فلو كان بهذه الشجاعة حقاً وقريش تخشاه ،فلماذا لم يبق في مكة ،ويبني قاعدة للمسلمين في تلك المدينة المقدسة التي شهدت اعلان الدعوة ؟ ثم ما الداعي الى تلك الحركة المسرحية ؟ وما الهدف منها ان لم تكن ألصقت لإكساب عمر صفات شجاعة ،لم يستطع اثباتها في العديد من الغزوات – أحد – حنين – خيبر – .
أما عن رواية اصابته ب(الأبنة) أي الشذوذ الجنسي الذي يجعله يتداوى بماء الرجال ، فهي تناقض المرويات الأخرى التي تشيد بالرجل ،فمن المعروف عن المصاب بالشذوذ ،انه يبقى عرضة لاهتزاز الثقة بالنفس وعدم القدرة على مواجهة الآخرين ،كي لايعيروه بشذوذه .
المثير للتساؤل ،ان تلك المرويات المتناقضة بين مدح وقدح ،تأتي من المصادر ذاتها ، التي طالما اعتمدت من قبل جمهور المسلمين باعتبارها صحاحاً .
المصادر التي رفعت من شأن عمر ، وهنت من شأن الرجل الحقيقي الذي يتمتع بالمواصفات التي يجلها ويقدرها العرب ، علي بن ابي طالب ، يقول البرفسور جورج زكي الحاج – استاذ الدراسات التاريخية في الجامعة الأمريكية / بيروت : نحن كمسيحيين ، لانحترم الكثير من رجال الاسلام ،باستثناء علي ،لأن فيه من ملامح المسيح ،ويضيف :
العرب يقدرون الرجل الشجاع ،وعلي مضرب مثل في الشجاعة ،ويحترمون الحكمة ،وعلي هو الحكيم ،تجلت حكمته في مواعظه وأقواله ، والصبر على المكاره ، والحليم حين الغضب ،والكريم عند العطاء ، والزاهد في مطامع الحياة ، وهذه الصفات مجتمعة ،لم تتوفر عند أحد من العرب والمسلمين ، حتى عند النبي ، لذا فالسؤال يطرح دائماً : كيف لم يحبّه العرب ؟؟
تلك خلاصة ما تحدث به البروفيسور جورج ،وهو بين التساؤل المعرفي والاستنكار ، منتظراً أن أبدي رأياً علمياً في جانبين : كوني ممن يناصرون علي ، اضافة الى تخصصي الدراسي وما ألفته من كتب –بما فيها عن علي – .
الحلقة القادمة : هل السلطة تخلق القوة والنفوذ ؟؟ وهل ماكتب كان بفعل قوة السلطة ؟؟ – ذلك ما نتطرق اليه في الحلقة القادمة .




