الثلاثاء - 09 يونيو 2026
منذ 4 أشهر
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

كوثر العزاوي ||

للوهلة الأولى وأنت تشاهد وقائع حفل التكليف للفتيات بجوار حرم أبي الفضل العباس “عليه السلام”

يُخَيّل للرائي، أنّ هذا المشهد هو حركة تقليدية لالتقاط صورة تذكارية جماعية، نعم هذا ظاهر المشهد ولكن..

عند التأمل تجدها لحظةُ عهدٍ تتجلّى فيها المعاني قبل المظاهر. صفوفٌ من الفتيات اليافعات تحت راية القدوة، يتمّ تشريفهنّ بوشاح العفة عند بلوغ سنّ التكليف.

وفي هذا المشهد تتجسّد فكرة أن العفافُ ليس ثوبًا يُرتدى فحسب، إنما هو غرسُ وعيٍ يستوطن الذهن قبل أن يستقرّ على الرأس، وهو خيارُ طاعة لله “عزوجل” يُتَّخذُ كقرارٍ قِبال تياراتٍ هوجاء عاتيةٍ، تحاول أن تقتلع الجذور من تربتها.

فيأتي هذا المشهد المهيب ليصوّرَ منظرًا لجيل من الفتيات، اخترنَ طريق العفاف بمحض إرادتهنّ لا بوصفه تقليدًا، بل طاعة وقناعة وهوية وانتماء.

هذه الصفوف ليست مجرد انتظامٍ بصريٍّ جميل، إنما هو انتظامُ قيمٍ ومبادئ، تنتظمُ في صورِ زهرات من حديقة الفضيلة والاستقامة، حتى كأنك ترى في عينَي كل فتاةٍ بريق حلمٍ أخاذ، وفي قلبها عهدًا أن تكون صورتها انعكاسًا لجوهرها، وأن يكون حجابها عنوان مستقبلها وأفق كرامتها.

فوِشاح العفاف يعني الطُّهرَ والقوّة، وأنّ الاحتشام تقدّمٌ وارتقاء، ومن كلّ ذلك يتولّد الثبات على المبدأ، وتنمو القيمَ وتعلوّ الهمم، ويومًا بعد يوم تدرك هذه الزهرات العطرات:
إنّها امرأة المستقبل حين تصون ذاتها، وتُسدل عفافها، وسوف ترتقي وتصان أينما تحلّ في ساحة الحياة.

وفي هذا الحضور الجماعي تتجلّى رسالة أعمق تشير: إلى حقيقة التربية حينما تُثمر، فإنها تُخرِج أزهارًا متشابهة في الطهر، مختلفة في المواهب، متّحدة في القيم، وأن المستقبل يزدهر بالحياء، ويبنى بتمسك المجتمع بالقيم الأخلاقية، والامتناع عما حرّم الله تعالى، ولأنّ المرأة هي نواة المجتمع ومرتكز صلاحه، فما عليها إلّا الاقتداء بسيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، شاء من شاء وأبى مَن أبى، وأن تستمدّ نورها وثقتها من قدواتٍ خالدة، وتسير بخطًى واثقة نحو غدٍ أنقى.

والرسالة الأخرى المتجلّية بهذا المشهد: هي وثيقة عهدٍ متجدّد، أن يبقى العفاف تاجًا لا يخضع للتغيير، وهويةً لا تُساوَم، وسدًّا منيعًا في وجه بغايا الواقع المنفلت، ورسالة خالدة محفورة باقية على واجهة الزمان من جيلٍ إلى جيل.

٢٨-شعبان المعظم-١٤٤٧هـ
١٧-شباط-٢٠٢٦م