الخميس - 11 يونيو 2026

مهرجانات رمضان.. من منصات استهلاك إلى رافعة لدعم المنتج المحلي..!

منذ 4 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

محمد صالح حاتم ||

لم يعد يفصلنا عن شهر رمضان المبارك سوى أيام قلائل، ذلك الشهر الذي جعله الله موسمًا عظيمًا للخير والبر والإحسان، وشهرًا للصيام والقيام وتزكية النفس، وفرصةً حقيقيةً لمراجعة السلوك وبناء علاقة أقوى مع القيم الإيمانية والإنسانية.

ومع اقتراب هذا الشهر الفضيل، تتزايد في مختلف المحافظات والمدن ما يُعرف بـ«مهرجانات ومعارض رمضان»، التي تُقام استعدادًا لاستقبال الشهر، وتُعرض فيها مختلف السلع الغذائية والاستهلاكية، والملابس، والعطور. وفي الوقت الذي يُفترض أن يكون الاستعداد لرمضان استعدادًا نفسيًا وروحيًا قبل أن يكون ماديًا، يُلاحظ أن هذا الموسم تحوّل – لدى البعض – إلى موسم للإفراط في الشراء والاستهلاك، حتى أصبح الشهر الذي شُرع لتقليل الشهوات، عند فئات واسعة، شهرًا تتضاعف فيه معدلات الإنفاق على الطعام والشراب.

ولا شك أن هذا التحول الثقافي، أو ما يمكن تسميته بالغزو الفكري، لا ينسجم مع المقاصد الحقيقية لرمضان، الذي أراده الله مدرسةً للزهد والانضباط، لا موسمًا للتبذير والإسراف. إن الاستعداد الحقيقي لهذا الشهر ينبغي أن يبدأ بتهيئة النفس لاستثمار أوقاته في الطاعة، وتنظيم الوقت، وتعزيز قيم التكافل والصدقة، وليس الانشغال بقوائم طويلة من المشتريات، والمأكولات والمشروبات التي قد يتلف جزء كبير منها دون استفادة.

ومع ذلك، فإن هذه المعارض والمهرجانات التي تنظمها الجهات الحكومية والقطاع الخاص تحمل جوانب إيجابية إذا ما أُحسن تنظيمها وتوجيهها. فهي تُعد فرصة لتوفير احتياجات المواطنين بأسعار مخفّضة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشعب اليمني نتيجة سنوات العدوان والحصار، وانقطاع المرتبات، وارتفاع تكاليف المعيشة. غير أن الأمل يبقى أن تكون التخفيضات المعروضة تخفيضات حقيقية، وأن تخضع السلع المعروضة لرقابة تضمن جودتها وسلامتها ومطابقتها للمواصفات.

ومن أبرز حسنات هذه المعارض ما نشاهده من حضور واسع للمنتجات المحلية، سواء في الصناعات الغذائية أو منتجات الأسر المنتجة؛ مثل العصائر والمخللات ومشتقات الألبان والملابس والمنظفات والعطور والجلديات التي صنعتها الأيادي اليمنية. ومن ذلك مهرجان «رمضانك محلي»، الذي تنظمه مؤسسة بنيان التنموية في مديرية التحرير. إن الإقبال على هذه المنتجات لا يحقق فقط منفعة للمستهلك من حيث الجودة والقرب، بل يمثل دعمًا مباشرًا للاقتصاد الوطني، ومساندةً للأسر التي تعتمد على هذه الصناعات كمصدر دخل، ويسهم في تقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة.

إن شهر رمضان ينبغي أن يبقى شهر القيم، لا شهر الاستهلاك المفرط، وأن تتحول معارضه إلى منصات لدعم الإنتاج المحلي وتعزيز ثقافة الاعتدال، لا إلى سباق نحو التكديس والتبذير. كما أن المسؤولية مشتركة بين الجهات المنظمة والتجار والمجتمع لضمان أن تكون هذه الفعاليات وسيلة تخفيف لا عبئًا إضافيًا على المواطنين.

وفي ظل ما يمر به اليمنيون من ظروف اقتصادية قاسية، يصبح ترشيد الاستهلاك، ودعم المنتج المحلي، واستحضار المعاني الحقيقية لرمضان، واجبًا أخلاقيًا ووطنيًا في آنٍ واحد.