الخميس - 20 اغسطس 2026
منذ 6 أشهر
الخميس - 20 اغسطس 2026

د. وسام عزيز ||
٩ – ٢. – ٢٠٢٦


منذ اللحظة الأولى لانفجار المواجهة في غزة، اندفع المرجفون إلى توصيف ما يجري على أنه فخ نُصبت فيه المقاومة، في محاولة لتصوير المعركة كخطأ استراتيجي أو اندفاعة غير محسوبة. هذا الخطاب ليس قراءة عسكرية ولا تحليلاً واقعياً، بل امتداد مباشر للحرب النفسية التي تستهدف كسر الإرادة قبل كسر الميدان، وزرع الشك في وعي الأمة تجاه خيار المقاومة ذاته.

في منطق المقاومة الولائية، كما أرساها الإمام الخميني وكرّسها الإمام السيد علي الخامنئي، الفخ الحقيقي ليس في المواجهة، بل في القبول بمنطق العجز وانتظار الشروط المثالية التي لا تأتي أبداً. العدو لا يحتاج إلى انتصار ساحق إذا نجح في إقناع خصمه بأن ميزان القوى لا يسمح بالقتال، وأن كل مواجهة هي خسارة مسبقة.

من هنا، فإن غزة لم تقع في فخ، بل كسرت المعادلة الأخطر، معادلة الردع النفسي، ونقلت الصراع من إدارة القتل اليومي إلى معركة مفتوحة على الوجود والمعنى والشرعية.

وصف غزة بأنها فخ يخدم أكثر من جهة في آن واحد. فهو يخفف الضغط عن العدو الذي عجز عن الحسم السريع، ويمنح المتخاذلين مبرراً للصمت، ويغطي على تواطؤ من راهنوا على التسويات والتطبيع.

أما توصيفها كمعركة فتح، فيفرض الاعتراف بأن صورة الجيش الذي لا يُقهر قد تآكلت، وأن الجبهة الداخلية للعدو اهتزت، وأن القضية الفلسطينية عادت إلى مركز الصراع العالمي بعد سنوات من محاولات الطمس والتهميش. هذا التحول بحد ذاته إنجاز استراتيجي لا يمكن إنكاره مهما طال أمد المواجهة.

المرجفون يقيسون المعارك بعدد الأيام وبحجم الدمار فقط، بينما تقيسها مدرسة المقاومة بتغير الوعي الجمعي وانكشاف المنظومة الغربية وسقوط أقنعة حقوق الإنسان الزائفة. ما جرى في غزة لم يكن مجرد جولة عسكرية، بل زلزالاً في الوعي العالمي أعاد تعريف العدو وكشف طبيعة النظام الدولي الذي طالما ادّعى الحياد والإنسانية. هذا التحول هو ما يرعب العدو وحلفاءه أكثر من أي سلاح.

الحديث عن فخ غزة يتجاهل حقيقة مركزية وهي أن غزة ليست وحدها، ولا تتحرك بمعزل عن سياق أوسع.

إنها جزء من محور ممتد تتكامل فيه الساحات وتتوزع فيه الأدوار وتُدار فيه المعركة بمنطق النفس الطويل لا بردات الفعل.

ما يجري ليس مغامرة ولا اندفاعاً عاطفياً، بل تعبير عن صبر استراتيجي عميق، وهو أحد أعمدة الفكر المقاوم في مواجهة الهيمنة والاستكبار.

غزة اليوم ليست عبئاً على الأمة ولا خطأً في التقدير، بل معياراً للفرز وكاشفاً للنفوس.

من يرى الصراع بعيون العدو سيصف كل مواجهة بالفخ، ومن يرى الصراع بعيون الأمة سيدرك أن غزة ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها كسر الهيمنة وفتح أفق لم يكن مطروحاً قبل هذه المعركة.