الأربعاء - 10 يونيو 2026

💎جواهر عَلَويَّةٌ: مَنْ أَكْثَرَ احْتِراسهُ سَلِمَ غَيْبُهُ..!

منذ 4 أشهر
الأربعاء - 10 يونيو 2026

✍️ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

📢 رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “مَنْ أَكْثَرَ احْتِراسهُ سَلِمَ غَيْبُهُ”

معادلة أخرى يقررها الإمام أمير المؤمنين (ع) مفادها: أن من يصُن نفسه، ويجنبها المخاطر المعنوية، ويحافظ على كرامته، ويظل واعيًا لكل عمل أو موقف يتأتى منه الضرر المعنوي أو المادي، يسلم من ذكر الناس له بالسوء، ويحفظ سمعته، وكرامته، وعرضه مِمّا يُقال في غيبته.

تلك هي المعادلة، وهي معادلة بالغة الأهمية، تضع لنا خريطة طريق للحفاظ على سُمعتنا من أن ينالها أحد بسوء، وتقدَّم لنا خطَّ دفاع عنها يتمثَّل في إجراء وقائي يتشخَّص بالاحتراس وتجنَّب أي عمل يجلب إليه التُّهمّة وسوء الظَنِّ.

فهم هذه المعادلة يتوقف على فهم كلمتين مفتاحيتين: الأولى: الاحتراس، (احتراسه) الثانية: غيبه.

فأما معنى (احتراسه) فهو من احترس، وتعني: اتخذ الحِرسَ لنفسه، والحِرْسُ: الحِفظُ والوقاية والمراقبة، وذكر ابن منظور في معجمه (لسان العرب): احترَسَ من الشيء: توقّاه وتجنّبه وأخذ بالأسباب التي تمنع وقوع الضرر.

والمعنى المُستَفاد من ذلك، أن الاحتراس عمل إرادي واعٍ يقوم على التوَقِّي المُسبَق، واتخاذ إجراءات السلامة قبل وقوع الخطر، فهو عمل استباقي يهدف إلى حفظ الخصوصية، والكرامة والمنزلة.

والاحتراس يجب في كل مجال يمكن أن يتأتَّى منه الضرر، فكما يحترس الإنسان لنفسه من العدو أن يقتله، أو يهدم داره، أو يسلبه ماله، كذلك يحترس من أن يؤثِّر العدو في فكره وعقيدته وقِيَمه، فيتحرّى صحة المعلومات قبل أن يتبنّاها، ويميز بين المظنون منها واليقيني، ولا يندفع خلف الشائعات، ولا يسارع إلى تبَنّي الأراجيف، بل يتبيَّن، ويتثبّت، ولا يقبل معلومة حتى يقطع بصحتها،

وهذا ما قاله الله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴿الإسراء:36﴾.

وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿الحُجرات:6﴾

وكما يحترس لفكره يحترس لأخلاقه، فيحرص على أن يكون ظاهره حاكيًا بصدق عن باطنه، ويضبط لسانه وانفعالاته، ويكبح جماح هواه، ويتجنَّب التسَرُّع، والغرور، والتكبُّر، ويُحسِن اختيار أصدقائه، ويفكر في عواقب كل أمر من أموره قبل أن يفعله، ويدرس أثر ذلك على المدى القريب في الدنيا والمدى البعيد في الآخرة، ويتجنَّب مواطن التَّهمَة.

وأما معنى “سَلِمَ غيبُه” فالمراد به ما يغيب عن الناس من خصوصيات وأسرار وشأن الإنسان، وسيرته وسمعته وأخلاقه، أي يَسلم من أن يقال سوءًا عنه في غيابه، لأن الناس لا يعرفون عنه أو لا يجدون فيه ما يقدحون به، فتَسْلَم سُمعته، ويصير ذكره طيِّبًا.

نستنتج مِمّا سبق: أن الاحتراس درجة من درجات التقوى، فهو يعصِم الإنسان من الزَّلَل والخطأ قبل وقوعه، ويمنعه من أن يكون في مواضع التهمة، ويصون كرامته وسمعته.

ونستنتج كذلك، أن الغيبة وسوء السمعة لا يولدان من فراغ، بل ينشآ من تهتُّك ولا مبالاة بما يراه الناس من الشخص، من تصرفات غير محسوبة، أو مواقف غير مدروسة، أو كلمات نابية فاحشة.

فجر يوم الخميس الواقع في: 5/2/2026 الساعة (05:15)