الثلاثاء - 09 يونيو 2026
منذ 4 أشهر
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

كوثر العزاوي ||

عندما نتحدث عن الطغيان بمعنى الضلال، يتبادر إلى الذهن ذلك الحاكم المستبد الذي يحتكر السلطة ويقهر الناس. غير أنّ الحقيقة الأعمق تقول، إنّ الطغيان لا ينحصر في قصور الحكم ولا في ميادين السياسة وحسب، بل يمكن أن يتسلّل إلى أبسط البيئات: مجلس، مؤسسة، عائلة، مجتمع صغير، بل قد يشمل أي شخص محدود المعرفة أو قليل الإدراك.

ومن الممكن جدًا لأي إنسان أن يتضخم بسبب التفاف الناس حوله في العمل، أو المجتمع، أو العائلة، أو البيئة، وذلك عند تصاعد منسوب المدح، وإعلاء صرخات الثناء الطافحة عن الحد، الى أن ينسى -ذلك المعنيّ- حجمه الحقيقي، فلم يَعد يرى إلّا صورته المكبَّرة في مرايا الناس.

فالإنسان لا يُولد بالطبع طاغية، ولا هو مَن يصنع نفسه بقدر ما يصنعهُ الآخرون من حوله، وإنّ بعض المجتمعات تُضخّم الأشخاص فيَمنحونهم مقامات ليست لهم، ويُساق إليهم المديح بلا حساب، فيَتوهّم الواحد منهم أنّهُ فوق النقد، وفوق الخطأ، وفوق الجميع فتنشط شهوة العلو والجاه.

وفي كل مرة يصعد شخصٌ فارغ إلى موقع التأثير فيشقّ الصفّ تارة، ويتلاعب بقيم ومفاهيم المجتمع تارة أخرى.

من هنا نجد أنّ مفهوم الطغيان، في كثير من صوره، لا يقوم على قوة الطاغية وحده، بل على هشاشة الوعي الجمعي الذي يرفعه، وحين يتنازل الناس عن مسؤولية التفكير، ويعجزون عن واجب التمييز، يصبحون شركاء ـ وإن لم يقصدوا ـ في ترسيخ الاستبداد. وحين تُعلَّق الآمال على الأشخاص بدل القيم، بغض النظر عن مؤهلاتهم، ويُعوَّل على الرموز بدل المبادئ، عند ذاك يتحوّل الإنسان من صاحب قضية وموقف إلى تابعٍ يبحث عمّن يفكر عنه، ويقرّر له، دون الإكتراث لأمر يسمى قضية أو رسالة أو مصير.

وهكذا، يصبح بعض الناس رموزًا رغم ضحالة معرفتهم، ومصدرًا أجوف للتأثير السلبي، وسببًا في تعطيل عجلة تقدم الحياة والمجتمع وإضعافه، فضلًا عن فتح ثغرات خطيرة تمنح الأعداء فرصة لتحقيق مآربهم، ضد تلك الدولة وشعبها بل وضد أمّة الأسلام.

وهذا هو الطغيان، الناشئ من الشعور بالعلو والعُجب، الذي يمنحه الآخرين ليجعله في منتهى الغرور، ليرى نفسه ما ليس فيه، ليبدأ أول خطوات الضلال بالتمرّد والطغيان.

يقول الله “عزوجل”:
{مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} الأعراف ١٨٦

٨-شعبان المكرّم-١٤٤٧هـ
٢٨-كانون الثاني-٢٠٢٦م