الثلاثاء - 09 يونيو 2026

الغلطة الثانية للمستعصم و في بغداد ايضاً..!

منذ 5 أشهر
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

الشيخ حسن النحوي ||

أغلبكم يعرفون قصة المستعصم بالله آخر خلفاء العباسيين. كان يجلس في دار الخلافة بدعة واطمئنان بينما جحافل المغول تكتسح الشرق كالإعصار وتتساقط امامها المدن كالجراد. فلما قيل له ان المغول يقتربون قال: لا يهمّكم.. إذا تنازلتُ لهم عن الأمصار لن يستكثروا عليّ بغداد. إلا أنهم استكثروا عليه رأسه، واستكثروا الشرف على بناته، وكان الذي تعرفون.
الآن وفي حقبة المستعصمين الجدد يقال لهم ان هولاكو العصر يقترب من اموال شعبكم المركومة جبالاً في واشنطن، فيقولون: انها محمية بالقانون الدولي ولا خطر عليها. يقال لهم ان ترامب استولى على اموال حلفاء له ودول كبرى وآلاف أطنان الذهب الخاصة بالأوروبيين، فيقولون: نحن لدينا معاهدة مع صديقتنا الولايات المتحدة.
اليوم أعلن ترامب عقوبات على اي دولة تبيع رصيدها من سندات الخزانة الأمريكية!. ولمن لا يعلم سندات الخزينة هي ديون لمالكيها على الحكومة الأمريكية. ولأن العالم بأسره يفهم اين تتجه الامور، ويدرك أن الولايات المتحدة لن تسدد لدائنيها بسبب عجزها عن السداد، بدأ كثيرون يبيعون ديونهم المترتبة على الأمريكان بأسعار مخفضة قبل ان تضيع كلها، لذا قرر ترامب منعهم من بيعها كي لا تسود اجواء الهلع وتنهار الأسواق.
هذا بالنسبة للدول الكبرى والحليفة للأمريكان، فما حال مستنصر منحول يطير بنفخة هواء!.
أموالنا المودعة هناك بحكم المصادرة، وهذا لا يعفي حكامنا من واجب المحاولة لاسترجاعها إبراءََ للذمة وتحسباََ للتاريخ. غير انهم لم يحاولوا لأنهم برأيي متواطئون في الموضوع، ولا أدلّ على تواطئهم من هذا التعتيم المريب، فالحكومة تقتص من قوت الناس لتعويض عجز الميزانية ولا تجرؤ على مد يدها إلى بعض ملياراتنا المكدسة بعهدة الفيدرالي الأمريكي، مكتفيةً باختلاس نظرات حسيرة كنظرات ذلك اليتيم، الذي وصفه ابو تمام، وهو ينظر إلى الوصي عليه:
ويُتبعُ نعمتي بك عينَ ضغنٍ
كما نظر اليتيمُ إلى الوصيِّ
رجاءََ أنه يوري بزندي
اليك وأنه يَفري فريّي
وذاك لهُ إذا العنقاءُ صارت
مربّبةََ وشبّ ابنُ الخصيِّ
يعني: مش بوزك، فلا العنقاء سيؤتى بها وجبةََ للآكلين ولا الخصي يكون له ابن. وهنا دعونا نرجع لأسطع الأمثلة في إبداع حراميتنا، زهير نور وصحابته الكرام.. اغترفوا ثلاثة مليارات دولار بجهودهم الفردية، فكم يصبح الرقم لو أعيدت الغارة بدعم أمريكي!. اقصد أن أموالنا هناك لا يجوز سحبها، من الناحية القانونية، إلا بتواقيع اشخاص محددين لديهم التخويل الأصولي، فماذا لو اتفق ترامب مع اولئك الاشخاص أنفسهم، ووقعوا وسحبوا الاموال وبقوا عند ترامب؟. هذا مجرد نموذج من الاحتمالات المتوقعة مع ان ترامب لا يحتاج ألعاباً بهلوانية من هذا الطراز طالما أنه يستطيع القول: قررت الاستيلاء على أموالكم ايها العراقيون وما زلتم مطلوبين، كما قال لأوكرانيا. وطبعاً تُلقى اللائمة على الذي وقّع اذن السحب لا على مستعصم العصر، كما اتهموا ابن العلقمي مسؤولية سقوط بغداد وكأن المغول لم يهتدوا لعاصمة الدنيا لولا ظهوره على طريقهم.
.