الأربعاء - 10 يونيو 2026

سأل أحد المتأثرين بالحركات المنحرفة عن ضرورة وجود (علم الرجال)..!

منذ 5 أشهر
الأربعاء - 10 يونيو 2026

إيليا إمامي ||


حوار قصير:

سألني أحد المتأثرين بالحركات المنحرفة عن ضرورة وجود (علم الرجال)..!

تلك الحركات التي تدعي أن علم الرجال يقتل الحديث الشريف ويقضي على الروايات المباركة..

وبالتأكيد عندما يسمع شخص محب للعترة الطاهرة بأن هناك علماً لديه القابلية أن يركن الرواية جانباً ويترك العمل بها.. ويقنعونه بأن هذا العلم لا يحترم الروايات ويسقطها، وأن علماء الرجال يدمرون تراثنا المحمدي العزيز.. بالتأكيد سيخرج لاعناً وكارهاً لعلم الرجال وأهله.. وهو لا يملك أدنى فكرة عنه!!

المفارقة المؤسفة والمضحكة.. أن هذا اللاعن الكاره الذي سمع فتكلم .. ولُقّن فكرر.. لا يدري أن ملحمة الشيعة الكبرى لحفظ أمانة العترة الطاهرة.. كانت على يد رجال الحديث!! وأن أعمار العلماء فنيت ثمناً لإجازة الرواية قبل فنائها لإجازة الاجتهاد!!

والحديث ذو شجون.

على كل حال.. هو قال ( نترك علم الرجال حفظاً للروايات)، وقد حرصت على إفهامه بأبسط الطرق، وأنتج الحوار التالي:

قلت: بتركك لعلم الرجال ستضيع الروايات وتدمرها.. وهذا يسمونه (نقض غرض) بمعنى أنك تفعل شيئاً للوقاية من خطر معين.. وأنت بفعلك هذا سرت نحو الخطر مباشرة.

فصار الدواء عين الداء..
وصرت كالمستجير من الرمضاء بالنار.

قال: كيف؟

قلت له: لأنك لا صبر لك على معرفة نتائج خطواتك.. وأين يقودك هؤلاء.. لذا لا ترى هذه الـ (كيف) أين ستنتهي بك!! ولن ترى إقبال الفتنة بل إدبارها، وهي إذا أقبلت شبهت.

ولعلك ستفهم إلى أين سينتهي بك الحال لو تركت علمي الأصول والرجال.. إذا فهمت منازل الطريق:

المنزل الأول:

في البدء يقوم مجموعة من المفكرين المعاصرين أمثال محمد شحرور ويوسف زيدان ونصر حامد أبو زيد ومن قبلهم محمد عابد الجابري وغيرهم..

يقومون برفع راية (حسبنا كتاب الله) لنقد الموروث الديني من الروايات والأحكام بوصفها منتجاً بشرياً.. والاعتماد على القرآن بشكل أساسي للتفسير!

يطرح هؤلاء فكرة بسيطة: القرآن عربي، ونحن عرب، لماذا لا نفسره مباشرة، ما حاجتنا للتراث القديم وكتب الصحاح ؟؟!

وهذه الفكرة على بساطتها لبست ألف رداء من التعقيد حتى صارت بحاجة إلى مؤلفات ودراسات كبيرة جداً وليست بالهينة.. ولكن صدقني هذه زبدتها.

في هذا المنزل الأول.. سنقول لهم: صحيح أنكم عرب ومن حقكم وحق أي ناطق بالعربية أن يتدبر ويتأمل في القرآن..

بل قد تتكاثر القراءات والتأويلات للآية الواحدة حتى 100 قراءة وتأويل.. ولا مشكلة لنا في ذلك.. وحتى القرآن شجع على التفكر والتأمل..

لكن عندما نصل إلى حكم شرعي ومسألة حلال وحرام .. نكون مخيرين بين فهمكم للقرآن وفهم الموروث الروائي له .. حتماً سنختار الثاني.. ولن نضيع ديننا لأجلكم !!

المنزل الثاني:

هنا ينتقلون إلى منزل ثاني .. ويسألون: وما هو الفرق بين فهمنا وفهم الموروث والتراث ؟؟.. انهم بشر مثلنا.. بل على العكس.. نحن أعرف بأحوال هذا الزمان وتطوره.. ونستطيع – بالنظر للآيات القرآنية – رسم حدود شرعية وأخلاقية أكثر انسجاماً مع العصر.

وهنا نرد عليهم: بأن الفرق أن صاحب الموروث الروائي ومن قرر الحلال والحرام هو معصوم بنص القرآن وصريحه (وما ينطق عن الهوى) ولذا فلا مقارنة بين فهمك وفهمه .. ونطقك ونطقه.

السنة والشيعة مشتركون في الجواب.. فكلاهما يأخذ حلاله وحرامه من المعصوم.. الفرق أن السنة لديهم معصوم واحد عاش بين أمته 23 سنة فقط.. والشيعة لديهم 14 معصوم عاشوا بين أمتهم 342 سنة تقريباً.

وهذا الفارق الرقمي يعطيك فهماً واضحاً لسعة وتنوع الفقه الشيعي.. مقارنة بالسني.. مضافاً الى فتح باب الاجتهاد.. ولكن هذا ليس موضوعنا الآن.
المنزل الثالث:

سيقولون: سلمنا (جدلاً) أن الدين يؤخذ من المعصوم (سنياً كان أم شيعياً) ولنفترض أن عصمته ثبتت كما تدعون.. لكن ما أدرانا أن الواقع كذلك؟

أولاً: إننا نرى الدين يؤخذ من غير المعصوم .. فمن يتصفح كتب الفقه والأحاديث يجد عبارات مثل: قول الصحابي .. سنة الخلفاء الراشدين .. عمل أهل المدينة .. القياس .. إلخ.

ففي قول الصحابي أنتم تأخذون من غير المعصوم .. وتعتبرون قوله مصدراً للتشريع أيضاً.. رغم أنه لا ينسبه الى النبي.. كعمر بن الخطاب وعائشة والعبادلة الثلاث عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود.. فما هي حجتكم؟

ثانياً: بيننا وبين المعصوم مئات السنين !! ما أدرانا أن المنقول إلينا هو نفسه قول المعصوم ولعل الخلل وقع في النقل؟

ثالثاً: انتم تفرضون فكرة (الصحيح) على كتب الأحاديث وتجبرون الناس على قبول كل ما فيها.. فأنتم ترهنون المسلمين كلهم إلى مجرد كتاب كتب قبل ألف سنة مع احتمال الخلل فيه ؟

هكذا سيقول من يهاجم الموروث.. والحق أن علماء الإخوة السنة سيواجهون صعوبة في الرد (رغم أن الرد ممكن) لكن سيكون طريقه أطول.

أما نحن الشيعة فجوابنا حاضر.. وتصميم مذهبنا قابل لامتصاص هذه الاشكالات وأكثر منها..

فالقول أن الدين يؤخذ من غير المعصوم لا أثر له في الفقه الشيعي..

وما اجتهاد الفقهاء الا نظر في هذه الأدلة والروايات وقتال مرير في سبيل استخلاص الحكم منها وعدم التهاون في ذلك.. لنلتزم بقاعدتنا الذهبية (القول مني ما قاله آل محمد صلوات الله عليهم) ولا نفتي من عند أنفسنا.

وسؤالهم القائل: ما أدرانا أن الكتب نقلت بدقة وعناية ؟

هنا يأتي حرصنا على بقاء علم الرجال بقواعده المتينة.. وخرائطه الدقيقة والمعقدة.. التي يصعب اختراقها وتوثيق شخص (راوي) أو الطعن فيه إلا بحسب وثاقته الفعلية!!

والقول أن كتب الصحاح قد تحمل توهمات واشتباهات.. وأنتم ترهنون الناس بقبولها كلها.

هذا صحيح.. ولذا تظافر علم الرجال مع الاستنباط الشيعي .. لنفهم الخطوة الصحيحة عند تعارض الأدلة أو تساقطها وكيف نصل إلى الحكم الشرعي المبرئ للذمة.. من دون أن نلتزم بقبول الرواية لمجرد ورودها في كتاب بعينه.. بل كل شيء خاضع للتمحيص في نظر الفقيه الخبير العارف.. وضمن قواعد مشيدة بتراكم جهود مئات السنين.

الخلاصة:

من دون التمسك بعلم الرجال لن تستطيع الرد على اشكالهم أبداً..

بعض السطحية.. تجعلك تكره علم الرجال حباً بأهل البيت..

مزيد من التعمق .. يجعلك تقدس هذا العلم وتشكر الله على وجوده للحفاظ على تراث أهل البيت عليهم السلام.. وإسكات أهل الشبهات.