الأربعاء - 10 يونيو 2026

اقليم كوردستان العراق ممر الفوضى المنظم..!

منذ 5 أشهر
الأربعاء - 10 يونيو 2026

علي جاسب الموسوي ||
١٧/١/٢٠٢٦

ليس ما جرى ويجري في الجمهورية الإسلامية الإيرانية اضطرابا عابرا ولا احتجاجا عفويا يمكن قراءته بمعزل عن الجغرافيا والسياسة والأمن الإقليمي؛ بل هو فصل من فصول حرب مركبة تُدار بالوكالة، وتُغذى بالمال والسلاح والاستخبارات، ويقف إقليم كردستان العراق في قلبها بوصفه مساحة ارتكاز خطرة، وممرا مُنظما للفوضى، لا ساحة بريئة على هامش الأحداث.

لقد تحول الإقليم، خلال السنوات الأخيرة، إلى بيئة حاضنة لشبكات مسلحة عابرة للحدود، تتقاطع مصالحها مع أجندات معادية لإيران، وفي مقدمتها جماعات مثل (بجاك) و(حزب العمال الكردستاني – PKK) وتنظيم (المنافقين) … هذه ليست توصيفات دعائية، بل حقائق أمنية مُثبتة على الأرض؛ فهذه التنظيمات لم تكتف بالتموضع داخل الإقليم، بل تحولت إلى أدوات تشغيل ميداني، تستثمر الفوضى، وتُحرض الشارع، وتُصنع مشاهد العنف، وتُسوقها إعلاميا بوصفها (انتفاضة شعبية)

الأخطر من ذلك أن دور هذه المجموعات لم يكن سياسيا أو دعائيا فحسب، بل عسكريا واستخباريا بامتياز … فالمعلومات الأمنية الموثوقة تُشير إلى أن الإقليم أصبح قناة تهريب منظمة للسلاح والذخيرة نحو الداخل الإيراني، حيث ضُبطت أكثر من ثلاثة آلاف قطعة سلاح خفيف مهربة من أراضيه … هذا الرقم وحده يكشف حجم التورط، ويُسقط أي ادّعاء بالحياد أو النأي بالنفس … نحن أمام منظومة متكاملة: تسليح، تدريب، تسهيل تنقل، وتمكين شبكات استخبارية أجنبية، وعلى رأسها الموساد، لتنفيذ عمليات قتل نوعية وإشعال اضطراباتٍ مُمنهجة.

وفي هذا السياق لا يمكن فصل المشهد عما سبق أن شهدته الساحة العراقية حين استهدفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مواقع بأنها مقرات لنشاطات استخبارية معادية في شمال العراق بصواريخ موجهة، وما أعقب ذلك من تشكيل لجنة برئاسة مستشارية الأمن القومي العراقي وجهات أخرى للتحقيق في ملابسات الحادثة … وبغض النظر عن النوايا، فقد بدا لاحقا أن عمل تلك اللجنة لم يكن موفق ودقيقا بالقدر الكافي للاسف لاستيعاب عمق الاختراق الأمني في الشمال، وهو ما تكشفه اليوم الوقائع المتراكمة التي تُظهر بوضوح أن أجزاء من الإقليم تحولت عمليا إلى مساحة نشاط متقدم للموساد … هذه الحقيقة تفرض، من منظور سيادي وأمني عراقي خالص، ضرورة إعادة النظر بجدية في هذا الملف، وضمان أن لا تبقى الأراضي العراقية منصة مفتوحة لأي جهاز أجنبي، وأن يُعاد الاعتبار لمبدأ الإنصاف والسيادة الكاملة على الشمال كما على كل شبر من العراق.

إن تحويل إقليم كردستان إلى منصة خلفية لهذه الأنشطة لا يهدد إيران وحدها، بل يضرب أمن العراق ذاته في الصميم … فحين تتحول أراضي دولة يفترض أنها ذات سيادة إلى حاضنة لأذرع مسلحة تعمل لمصلحة أجهزة معادية، فإننا لا نتحدث عن (ملف إقليمي) بل عن اختراق استراتيجي يمس كيان الدولة العراقية ومصداقيتها ووحدتها.

ما يجري ليس صراعا محليا ولا احتجاجا اجتماعيا عابرا؛ إنه حرب هجينة تستهدف محور المقاومة بكامله، عنوانها الإعلام، ووقودها السلاح، ومسرحها الحدود، وأدواتها جماعات مسلحة بلا وطن ولا أخلاق ولا مشروع إلا خدمة أجندات الخارج .. وفي هذا السياق ليكن بعلم الجميع ان (عدونا واحد) وهو توصيفا دقيقا للواقع: فالأطراف قد تتعدد، لكن الجهة التي تدير الخيوط واحدة.

إن قراءة المشهد ببرودة استراتيجية تُظهر أن استهداف إيران اليوم هو اختبار لإرادة المنطقة غدا؛ فإذا تُرك الإقليم ليكون منصة مفتوحة للفوضى، فإن النار لن تتوقف عند حدود بعينها، بل ستمتد لتلتهم الاستقرار الإقليمي بأسره … ومن هنا تأتي ضرورة تسمية الأشياء بأسمائها بلا رتوش: ما يحدث هو توظيف مُمنهج للإقليم في خدمة مشروع تخريبي عابر للحدود، ولن يكون السكوت عنه إلا مشاركة صامتة في جريمة كبرى بحق أمن المنطقة وشعوبها.