ظهور الفساد، وأثر الذنوب..!
كوثر العزاوي ||

يقول الباري “عزوجل”:
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}الروم ٤١
في كل عصرٍ تتجلّى سنّة الله في خلقه: حين تبتعد القلوب عن النور وتُستباح القيم، يظهر الخلل في الموازين الكونية والاجتماعية معًا.
إنّ ما نسمّيه «فسادًا» في البرّ والبحر، ليس مجرّد اضطراب بيئي أو اقتصادي، بل انعكاس مباشر لأثر الذنوب والمعاصي في الواقع.
فالكون، بقدر ما هو مسرح لحركة الإنسان، وكلّ شيء مسخَّر لأجل صلاحهِ، هو أيضًا مرآة لأعماله، فإذا طغت الخطايا وعمّ الجور والنفاق، تعطّلت بركات الأرض وضاقت آفاق البحر.
ومن هنا تأتي الآية الكريمة، لتكشف الرابط العميق بين سلوك الإنسان وصورة العالَم من حوله، ومدى تأثير الذنوب والبُعد عن الله على سلامة حركة المجتمع، ليتحوّل إلى فوضى، نتيجة عدم الاستقامة والثبات على الجادة السويّة، ثمّ تدعوه أن يستفيق من غفلته ويعود إلى الله بقوله: «لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ».
وحين تتأمّل الآية بوَعي، ترى أنّها ليست وصفًا عابرًا لمشهدٍ بيئي أو سياسيّ في زمنٍ قديم، بل هي سنّة إلهية تتكرّر عبر التاريخ، كلّما طغت المعاصي، وانحرف المسير، واشتدّ الظلم، و انكشفت الأرض عن فسادها في البرّ والبحر، فيحلّ البلاء بأنواعٍ شتّى، ليكون بمثابة جرس إنذار للبشرية.
وتشير روايات أهل البيت “عليهم السلام”: إلى أنّ آخر الزمان سيكون مسرحًا لتفاقم الفساد، وتردّي القيم، واحتدام الصراعات، واشتداد البغضاء، حتى يملأَ الجور أركان الأرض، وتتشابك أزماتها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والأمنية.
جاء في كتاب نهج البلاغة قول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام:
“وَذلِكَ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلاَّ كُلُّ مٌؤْمِن نُوَمَة، إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ، وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ، أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى، وَأَعْلاَمُ السُّرَى، لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ، وَلاَ الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ، أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ، وَيَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، سَيَأْتي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الإسْلاَمُ، كَمَا يُكْفَأُ الإنَاءُ بِمَا فِيهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ، وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيكُمْ، وَقَدْ قَالِ جَلَّ مِنْ قَائِل: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ”
لكن كلّ هذا الظلام، يكون مقدّمةً للنور الذي يتمثّل بالوجود المقدس لصاحب الزمان، المدّخر لتجديد سنن الله في الارض، وإعادة العمل وفق المِلّة والشريعة، لينتشر نور الله في أرجاء المعمورة، وذلك عند بلوغ ذروة الانحراف، وانسداد الأفق، واستحكام البلايا، عندئذ يتحقّق وعد السماء بظهور الإمام المهدي، بقية الله في الأرض بأمر الله تعالى فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا.
وبذلك تصبح الآية الكريمة مرآةً لمشهدٍ عظيم مستمرٍّ، قد أتى بعد امتحان إلهيّ عسير، تبعه إنذارٌ شفيق، ثم رجاءٌ بالرجوع والتوبة، حتى يُستبدَل الفساد بالعدل، ويعود الميزان الإلهيّ إلى نصابه، بيد وليّ الله الموعود، إنّهُ وعدٌ غير مكذوب.
٢٦-رجب الأصبّ-١٤٤٧هـ
١٦–١-٢٠٢٦م




