الثلاثاء - 09 يونيو 2026

حين تُدار الحقيقة بلغة المجاملة: قراءة هادئة في السلوك العام وبناء الدولة..!

منذ 5 أشهر
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

ليس المُجتمعات التي تمر بأزمات عميقة هي مُجتمعات شريرة بالضرورة ، كما أنها ليست خالية من القيم أو النوايا الحسنة ، غير أن الإشكال غالباً ما يكمن في المسافة الفاصلة بين ما يُقال وما يُضمر ، وبين ما يُعلن وما يُمارس ، في هذه المسافة تحديداً تتشكل أنماط سلوكية هادئة في ظاهرها ، لكنها مُرهِقة في أثرها ، إذ تتحول المجاملة إلى أداة لإخفاء الحقيقة ، ويتحول الصمت إلى بديل مريح عن المواجهة ، ويتراجع الوضوح لصالح خطاب لبق لا يعكس الواقع كما هو .

تُظهر دراسات صادرة عن مراكز أبحاث معنية ببناء السلام والدول الهشة ، مثل تقارير “مؤشر الدول الهشة” وبرامج الحوكمة الصادرة عن مؤسسات دولية ، أن المجتمعات الخارجة من النزاعات الطويلة تميل إلى تبني سلوكيات تكيفية هدفها تقليل الاحتكاك وتفادي الصدام ، حتى لو كان الثمن هو تعطيل الصراحة العامة ، في هذه البيئات يصبح إخفاء التعب فضيلة أجتماعية ، ويُنظر إلى قول “أنا بخير” بوصفه سلوكاً مسؤولاً لا تعبيراً عن إنكار للألم .

في السياق العراقي ، وبعد سنوات من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والأجتماعية ، تشكّل هذا النمط السلوكي كآلية دفاع جماعية أكثر منه خياراً واعياً ، فالمواطن يتجنب التصريح بما يثقل صدره ، والموظف يفضّل الموافقة الشكلية على الاعتراض الصريح ، والمسؤول في أحيان كثيرة يختار لغة مُطمئنة حتى عندما تكون الوقائع أكثر تعقيداً ، لا ينبع هذا السلوك بالضرورة من سوء نية ، بل من إرث طويل من القلق ، وعدم اليقين ، والخوف من نتائج قول الحقيقة في توقيت غير مضمون .

غير أن المشكلة ، كما تشير تجارب دول عديدة مرت بظروف مشابهة ، تبدأ عندما يتحول هذا السلوك من أستجابة ظرفية إلى ثقافة عامة ، ففي دراسات مُقارنة عن تجارب دول مثل “البوسنة” و”رواندا” و”كولومبيا” يتضح أن المراحل الانتقالية التي طال فيها تجنّب المصارحة ، أدت إلى تأجيل الإصلاح بدل تمهيده ، فالمجاملة المفرطة حين تصبح بديلاً عن التقييم الواقعي تخلق فجوة بين الخطاب العام ومُتطلبات بناء الدولة ، وتُضعف القدرة على تصحيح المسار في الوقت المناسب .

إن بناء الدولة لايقوم فقط على القوانين والمؤسسات ، بل على نمط العلاقة بين الفرد والحقيقة العامة ، عندما يعتاد المجتمع على إخفاء الإرهاق خلف الابتسامة ، والاعتراض خلف الموافقة ، تتآكل تدريجياً فكرة المساءلة الإيجابية ، فالدولة في جوهرها ، تحتاج إلى معلومات دقيقة ، وتشخيص صادق ، وتغذية راجعة غير مُزخرفة ، لكي تتمكن من أتخاذ قرارات فعّالة ، وهذا ما تؤكده تقارير الحوكمة الرشيدة التي تربط بين جودة القرار العام ومستوى الشفافية السلوكية في المجتمع .

في العراق ، لا يمكن فصل السلوك العام عن السياق السياسي والاقتصادي المُعقد ، المواطن الذي عاش تقلبات حادة ، وحروباً ، وتغيرات مفاجئة في موازين القوة ، تعلّم أن السلامة أحياناً في الصمت ، وأن اللياقة قد تكون أقل كُلفة من الصراحة ، إلا أن أستمرار هذا النمط ، دون مراجعة هادئة ، قد يحوّل المجاملة من قيمة أجتماعية إيجابية إلى عائق بنيوي أمام الإصلاح .

التجارب الدولية تشير إلى أن التحول الحقيقي يبدأ عندما تُعاد تعريف المُجاملة بوصفها أحتراماً للحقيقة لا تجميلاً لها ، وعندما يُنظر إلى التعبير الهادئ عن القلق بوصفه مُساهمة في الحل لا تهديداً للاستقرار ، ففي “رواندا” على سبيل المثال ، رافق التعافي الوطني فتح مساحات حوار مُنضبطة ، تتيح التعبير الصريح دون أنزلاق إلى الفوضى ، وفي “كولومبيا” ساهم الاعتراف المُتبادل بالمخاوف والآلام في دعم مسار التسوية وبناء الثقة بالمؤسسات .

الخطاب المطلوب في هذه المرحلة ليس خطاب صدام أو إدانة ، بل خطاب ناضج يُطمئن ولا يُخدّر ، يُهدّئ دون أن يُخفي الواقع ، وهنا تبرز مسؤولية مشتركة ، تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند صانع القرار ، فالمجتمع الذي يتقن قول الحقيقة بلغة محترمة ، يضع الأساس لدولة قادرة على الإصغاء والتصحيح .

إن النصيحة الهادئة للطبقة السياسية العراقية ، في ضوء هذه القراءة ، تتمثل في تشجيع مناخ يُكافئ الصراحة المهنية ، ويحتضن النقد المسؤول ، ويُفرّق بين المجاملة التي تحفظ الكرامة ، وتلك التي تؤجل الحلول ، فالدولة التي تُبنى على التشخيص الصادق ، حتى وإن كان متعباً ، أقدر على الصمود من دولة تُدار بخطاب مطمئن لا يعكس الواقع .

أخيراً وليس آخراً .. لا يتعلق الأمر بأتهام مجتمع أو تبرئة آخر ، بل بفهم مرحلة دقيقة تتطلب إعادة التوازن بين اللياقة والوضوح ، وبين الاستقرار الآني والبناء المستدام ، حين تُدار الحقيقة بلغة مسؤولة ، لا بلغة الإخفاء ، يصبح الطريق إلى التعافي أقصر ، وأكثر أماناً ، وأكثر أحتراماً لتضحيات الناس وتطلعاتهم نحو غدٍ مُشرق …!