الأربعاء - 10 يونيو 2026
منذ 5 أشهر
الأربعاء - 10 يونيو 2026

علي جاسب الموسوي ||
١٢/١/٢٠٢٦

في زمن الصراعات الكبرى لم تعد المعارك تُخاض بالسلاح وحده، بل بالكلمات والصور والسرديات، وما يجري اليوم حول الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو نموذج صريح لحرب إعلامية ونفسية تُدار بعناية فائقة بهدف ضرب المعنويات قبل ضرب الوقائع. فالتطورات الأخيرة، مهما بدت متسارعة في ظاهرها، لا يمكن فصلها عن سياق طويل من الاستهداف الممنهج الذي بدأ منذ انتصار الثورة الإسلامية، حين قررت إيران أن تكون دولة مستقلة في قرارها، ومتماسكة في هويتها، ورافضة للهيمنة الصهيوأميركية.

إن أحد أخطر أسلحة العدو في هذه المرحلة هو صناعة صورة ذهنية عن (انهيار وشيك) أو “(ظام مترنح)  وهي صورة يجري ضخها بشكل يومي عبر آلاف المنصات، مع إعادة تدوير أخبار ومقاطع ومشاهد خارج سياقها الحقيقي … هذا الأسلوب لا يهدف إلى نقل الواقع، بل إلى إعادة تشكيل وعي المتلقي، ودفعه للاعتقاد بأن ما يحدث هو بداية نهاية، بينما الوقائع الميدانية والسياسية والاجتماعية داخل إيران تقول غير ذلك تماماً.

فالجمهورية الإسلامية، التي صمدت في حرب الثماني سنوات، وفي وجه الحصار والعقوبات، وفي مواجهة التفجيرات والانقلابات والحروب الاستخبارية، ليست دولة يمكن إسقاطها عبر موجة احتجاج أو ضغط إعلامي. ما تملكه إيران هو بنية شعبية وعقائدية ومؤسساتية راكمت خبرة استثنائية في إدارة الأزمات، وهذا ما يجعل أي اضطراب داخلي قابلاً للاحتواء لا للتحول إلى تهديد وجودي.

في المقابل، فإن المعسكر الصهيوأميركي الذي يقود هذه الحملة يعاني من ارتباك داخلي عميق، من انقسامات سياسية حادة، وأزمات اقتصادية خانقة، وتآكل في شرعيته الأخلاقية، خصوصاً بعد دعمه المفتوح لجرائم الكيان الصهيوني في غزة … لذلك لم يعد يملك سوى تصدير أزمته إلى الخارج عبر الفوضى والحرب النفسية، ومحاولة إرباك المجتمعات التي لم تخضع لمشروعه.

وإذا كانت هناك تظاهرات أو احتجاجات في إيران، فهي ليست جديدة في تاريخ أي دولة، وهي أقل حجماً وتأثيراً من موجات سابقة تجاوزتها الجمهورية الإسلامية وخرجت منها أكثر تماسكا. أما أعمال الحرق والتخريب والنهب، فهي لا تمثل حراكاً شعبياً مشروعاً، بل تعكس نمطاً معروفاً من التوجيه الخارجي الذي يسعى إلى تحويل أي مطلب أو غضب إلى فوضى تخدم أجندات استخبارية.

وفي مقابل الضجيج الإعلامي، يبقى الواقع الاجتماعي الإيراني قائماً على الاستقرار النسبي، وعلى وجود قاعدة شعبية واسعة ترى في النظام السياسي والقيادة الدينية ضمانة للاستقلال والكرامة الوطنية .. هذا الواقع لا يُعرض في شاشات الغرب، لأنه يناقض السردية التي يريدون فرضها.

الأهم من ذلك أن ما يُستهدف اليوم في إيران لا يخص الإيرانيين وحدهم، بل يطال كل محور المقاومة وكل الوجود الشيعي في المنطقة .. فالجمهورية الإسلامية ليست دولة معزولة، بل هي قلب مشروع إقليمي، وأي ضربة لها هي محاولة لضرب هذا المشروع بكامله، من طهران إلى بغداد وبيروت وصنعاء وغزة.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية هي معركة وعي ورواية .. العدو يريد فرض روايته، ونحن مطالبون بتفكيكها، وعدم إعادة إنتاجها، وعدم تضخيمها، وعدم التعامل معها كحقائق نهائية. فالإعلام في هذه اللحظة ليس ناقلاً محايداً، بل ساحة قتال، ومن يربحها يحدد كيف يُفهم ما يجري، وكيف يُقرأ المستقبل.

وفي ظل هذا الصراع الوجودي، تبقى الحقيقة الأساسية أن إيران ومحور المقاومة يملكون من عناصر القوة، والخبرة، والعمق الشعبي، ما يجعلهم قادرين على تجاوز هذه المرحلة كما تجاوزوا ما هو أشد وأقسى منها، وأن الحرب الإعلامية مهما بلغت حدتها لا تستطيع أن تغير ميزان الواقع حين يكون المجتمع واعياً، والرواية متماسكة، والخصم غارقاً في أزماته.

https://t.me/alichasib4

Telegram (https://t.me/alichasib4)
علي جاسب الموسوي