الأربعاء - 10 يونيو 2026
منذ 5 أشهر
الأربعاء - 10 يونيو 2026

علي جاسب الموسوي ||
٩/١/٢٠٢٦

منذ اللحظة التي انتصرت فيها الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، لم يكن الحدث شأناً إيرانياً داخلياً، ولا انقلاباً سياسياً تقليدياً في دولةٍ من دول العالم الثالث، بل كان تحولاً بنيوياً في معادلات القوة، وكسراً صريحاً لاحتكار القرار الدولي، وإعلاناً واضحاً بأن التشيع خرج من موقع الاستهداف الصامت إلى موقع الفعل التاريخي الواعي.

قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة الإمام السيد روح الله الخميني (قدس الله نفسه الزكية) لم يُقابل بقلق سياسي عابر، بل قوبل بحساب عالمي طويل الأمد، لأن إيران لم تُقدم نفسها كدولة فقط، بل (كــ فكرة) والفكرة أخطر من الجيوش، وأعمق أثراً من الصواريخ … لقد تحولت إيران، في الوعي الدولي، إلى قلعة التشيع الكبرى، وكهفه الاستراتيجي، ومركز إشعاعٍ عقائدي وسيادي يهدد منظومة الهيمنة لا في الجغرافيا فحسب، بل في الوعي الجمعي للأمة.

منذ تلك اللحظة، بدأ التضييق المنهجي على الشيعة في كل مكان .. في العراق، أُطلق الطاغية صدام التكريتي ليكون الأداة الخشنة لهذا الحساب؛ فكانت المقابر الجماعية، والحروب، والتجفيف الممنهج للوجود الشيعي سياسياً واجتماعياً ودينياً … لم يكن صدام حالةً شاذة، بل وظيفةً إقليمية أداها بدقة، ثم أُحرق بعد انتهاء صلاحيته.

وفي الخليج، اتخذ الحصار شكلا أنعم، لكنه لا يقل قسوة: تهميش سياسي، قمع أمني، تشويه إعلامي، وربط أي مطلبٍ حقوقيّ شيعي بتهمة (الولاء الخارجي) … أما في الساحة الدولية، فقد بدأ بناء جدار اقتصادي خانق حول الجمهورية الإسلامية، تحت عناوين براقة: العقوبات، الملف النووي، حقوق الإنسان، بينما الهدف الحقيقي واحد: كسر إرادة التشيع السياسية، وتجفيف مصادر قوته، ومنعه من التحول إلى محورٍ دولي مستقل.

ومع تطور الأحداث، لم يعد الاستهداف محصوراً بإيران وحدها، بل شمل كل دولة أو حركة أو نظام أبدى تعاطفاً أو تحالفاً أو تقاطعاً استراتيجياً مع هذا المحور .. العراق بعد 2003، سوريا، لبنان، واليوم فنزويلا، حيث يتكرر النموذج ذاته: حصار اقتصادي، فوضى داخلية، شيطنة إعلامية، ثم محاولة إسقاط النظام أو إعادة هندسته بما يتوافق مع الإرادة الأمريكية.

وفي المرحلة الأحدث، انتقل الحساب إلى مستوى أكثر خطورة: تفكيك الداخل .. لم تعد الحرب مباشرة، بل ناعمة، معقدة، تستخدم الاقتصاد كسلاح، والشارع كأداة، والشعارات المطلبية كغطاء … ما يجري داخل الجمهورية الإسلامية من أزمات معيشية وضغوط اقتصادية حقيقية، يجري الاستثمار فيه لخلق حالة (جوكرية) مشابهة لما حدث في العراق عام 2019  … حالة فوضوية بلا رأس، بلا مشروع، تُسقط ولا تبني، تُحرق ولا تُصلح.

تلك المرحلة كانت الأخطر في العراق بعد سقوط صدام، لأنها استهدفت ما بعد الدولة، وما بعد المقاومة، وما بعد الوعي .. وكانت كلفتها باهظة، وكان قربانها دماءً طاهرة، في مقدمتها دماء الشهيدين القائدين الحاج قاسم سليماني والحاج أبي مهدي المهندس، اللذين لم يُستهدفا لذاتهما، بل لدورهما في حفظ توازن الردع، ومنع اكتمال مشروع الفوضى الشاملة.

اليوم، ما يُراد لإيران ليس الانهيار العسكري، بل الإنهاك البطيء؛ كسر الثقة بين الشعب والدولة، تفريغ الصبر الاستراتيجي، وتحويل الضيق الاقتصادي إلى نقمة سياسية … غير أن القراءة العميقة للتاريخ تقول إن هذا المحور بُني في قلب العاصفة، وتربى تحت الحصار، وتشكل وعيه في المواجهة، لا في الرخاء.

إن ما يجري ليس أزمة عابرة، بل حلقة جديدة من حسابٍ عالمي مفتوح على التشيع، حساب لم يُغلق منذ 1979، ولن يُغلق إلا بإعادة رسم ميزان القوى الدولي، أو بإثبات جديد أن هذا التيار، رغم كل الضغوط، ما زال يملك القدرة على الصمود، وإنتاج المعادلة، وفرض نفسه رقماً لا يمكن شطبه من معادلات المستقبل.

https://t.me/alichasib4

Telegram (https://t.me/alichasib4)