الأربعاء - 10 يونيو 2026
منذ 6 أشهر
الأربعاء - 10 يونيو 2026

علي عنبر السعدي ||

– حُسن الحديث من حُسن الإصغاء
– بعض الظن إثم – وبعض الرأي أكذوبة .

تلك بداهة في حياة البشر، فكلما زادت حقول المعرفة، كلما تقلّص المتخصصون في نوع محدد منها، حتى انقسم العلم الواحد، الى اقسام متعددة يحتاج كل منها الى دراسة مستقلة .

ذلك ما يظهر عند الشعوب بالاستعانة فيما يسمى (الخبراء) الذين تخصصوا بدراسة علم بعينه، ليصبح ما يقولونه أقرب للحقيقة بصفة اجمالية .

ذلك يعني ان عليهم تقديم اجابات على ما يُسألون عنه في مجالهم، ليكون تفاعلاً بين من يسأل ومن يجيب، بين من يقدم دليلاً برهانياً، وبين من يقدم كلاماً مخيالياً.

وعلى ذلك تشعب الحديث بين الناس بدوره الى أشكال متعددة، تكون للأكذوبة في بعض أشكاله، الحضور الأهم .وبصفة عامة ،ينقسم الحديث الى:

1- الجدل: لغوياً من جدل الكلام، أي جعله مجدولاً ومتيناً، كالحبل تجمع خيوطه وتجدل، ذلك يعني في الحديث، جمع أطرافه وبراهينه وادلته، ليكون مقنعاً بصوابيته ومتيناً بطرحه.

وفي قوله تعالى (وجادلهم بالتي هي أحسن) أي اجمع لكلامك من البراهين ، ما يختص به ويوسع في موضوعه، لكن في الأغلب ، يتحول الجدال الى تغالب يحاول كل طرف فيه جعله حبلاً يلتف حول عنق الخصم، لذا يكثر فيه الصراخ ويفقد الاستماع وجوده ، فيصبح كلا الطرفين منشغلا بجدل كلامه ليكون أكثر متانة، وشحن خطابه بكل مقومات إقناع الآخر أو إخضاعه، وعليه يتم استحضار المتراكمات العاطفية والعقائدية والاختلافات ، العابرة لكل المفاهيم والمطلقات التي لا تقبل الإ بنفسها، ثم تتحول الى اثارة أحقاد وشخصنة وتنابز واتهام، وغالبا ما يتحول الجدال الى خصومة ، ومن مظاهره: كثرة الأحكام وقلّة الاحتكام، وفي هذا النوع، ولأن من غير المتوقع أن يخرج احد الطرفين خاسراً، لذا يلجأ الأقلّ حجة، الى (التأليف) والاختلاق، لا حراج خصمه، وبالتالي استخدام الأكذوبة كسلاح للتغالب.

2- النقاش: من نقش – على قماش أو غيره – وقيل قديماً: التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، أي يبقى ثابتاً وواضحاً، وفي النقاش، يحاول المتحدث أن (ينقش) كلامه على الآخر ليترك فيه اثراً لا يمحى، وغالباً ما يستخدم هذا النوع من قبل رجال الدين في التعامل مع انصارهم، فينقشون كلامهم ممهوراً بقين قاطع ،ومن معالمه: كثرة الاستماع وقلة الانتفاع، ولكي يغلف النقاش بمظاهر القوة ودحر الخصوم، يزج أو يستحضر فيه (المقدّس) وما ورد في النصّ أو الحديث، كحجة (ربانية) تمتلك الحقّ في السيادة . .

3- الحوار: من أكثر المصطلحات اشتقاقاً، فهو المادة البيضاء للكتابة، والحوّار ابن الناقة الرضيع يثير حنينها للتقارب، والحواريون: خاصة الرجل يأنس اليهم ويستشيرهم، واطلقت على تلاميذ المسيح، والحوار غالباً يتم فيه تبادل المعلومة والرؤية، حيث ينطلق كل طرف من اعتبار امتلاكه لجزء من الحقيقة تكتمل او ترتقي بما يمتلكه الآخر، لذا يبرز كحالة مختلفة ومتكافئة، قابلة للاكتمال والإضافة والتعديل والتواصل، استناداً إلى العقل والبرهان والمنطق، والمشتغل ضمن الزمان والمكان والحيثية والِسبب والنتيجة وما شابه، وفيه: حسن الحديث من حسن الإصغاء، ولأن الحسي/المنهجي، هو مادة الحوار الأساس، لذا لا تستحضر الأكذوبة بكونها اداة استخدام، وذلك لعدم الحاجة اليها، أو عدم تمكنها من اثبات ما تدعيه.

4- المناكفة: قد تكون مشتقة من (المناقفة) قذف الحصى والحجارة بأطراف الاصابع أو بواسطة أداة خاصة (النقيفة – المصيادة) واستنكف: تكبّر وترفع، وناكف: عاند، وردّ الكلام بقسوة وتشبث.

5- الرأي: من رأي الشيء، نظر إليه وحدد محتوياته وأبعاده، لكن الرأي قد يقع في مجال الاشتباه إذا لم يسبقه تأمّل فيه قبل ابدائه، إذ قد يقع قائله تحت طائلة المسؤولية – حتى في الدول الديمقراطية – فكما أن حرية الرأي مكفولة بالقانون، كذلك حماية الآخرين من الضرر مكفولة، وأكثر البلدان عرضة للاضطراب هو من تكثر فيه الآراء وتقلّ الرؤية، فالرؤية عقل وحكمة، والرأي خليط من عوامل مختلفة تغلبها المشاعر والاندفاع – غالباً .

6- الموضوعية: أي النظر الى مادة الحوار ذاتها بما تحمله من مضمون ومحتوى، والبحث بطبيعتها ذاتها دون ادخال زوائد أو رغبات تحرف حقيقتها فتضيف عليها ما ليس فيها، أو تحذف وتلغي ما هو من مكوناتها .
وما يمكن استخلاصه: عن الحوار المعرفي والجدال التناكفي – بين التنافع والتدافع،

النقاط التالية:
– إن بعض الظن إثم – وبعض الرأي أكذوبة .
– أفضلها ما جاء عن تأمّل، وأسؤها ما كان ردة فعل .
– ثلاثة من هذه المصطلحات (الجدال – النقاش – المناكفة) غالباً ما تنتهي بخصومة مع تشدد كلّ طرف لما يقول، فيما (الحوار والموضوعية والرؤية) لا تقع غالباً في تلك الاشكالية.