قصة إيرلندا.. إنهم يقتلون شعوبهم لأنهم فقراء العقول..!
قاسم آل ماضي||

في منتصف القرن التاسع عشر، لم تكن أيرلندا مجرد جزيرة خضراء، بل كانت مجتمعاً يقف على حافة هــاويــة اقتصادية. كان النظام الإقطاعي الذي يسيطر عليه ملاك الأراضي الغائبون قد حشر ملايين الفلاحين الأيرلنديين في زاوية ضيقة، معتمدين اعتماداً كلياً وشبه حصري على محصول واحد للبــقــاء على قيد الحــيــاة: البطاطس، وتحديداً نوع “لومبر”.
في خريف عام ١٨٤٥، هبت رياح رطبة غريبة حملت معها ضيفاً ثقيلاً من وراء المحيطات. لم يكن جــيــشــاً غازياً، بل كائناً مجهرياً يُدعى Phytophthora infestans.
تذكر المصادر التاريخية أن الفلاحين استيقظوا ليجدوا حقولهم التي كانت خضراء يانعة قد تحولت بين ليلة وضحاها إلى لون أسود قــاتــم. انتشرت رائحة كريهة نفاذة في الهواء؛ رائحة العــفــن والمـــوت. في البداية، ظن الناس أنها نــكــبــة عابرة، ولم يدركوا أن التربة نفسها قد لُــعــنــت. تعفن ثلث المحصول في ذلك العام، لكن المخزون القديم منع الكــارثــة الفورية.
حلت الكــارثــة الحقيقية في العام التالي، ١٨٤٦. عاد المــرض، ولكن هذه المرة قضى على المحصول بأكمله تقريباً. وهنا، تحول الحدث البيئي إلى مــأســاة سياسية.
بينما كان الأطفال يــتــضــورون جـــوعـــاً في الأكواخ الطينية، كانت العربات المحملة بالقمح والشوفان والماشية تخرج من المزارع الأيرلندية تحت حراسة الجــيــش البريطاني، متجهة إلى الموانئ لتصديرها إلى إنجلترا.
وصلت المــأســاة ذروتها في عام ١٨٤٧، المعروف بـ “عام الســـواد”. لم يعد الــجـــوع هو الــقــاتــل الوحيد؛ فقد تفشت الأوبــئـــة (التيفوس والكوليرا) لتفتك بالأجــســاد الهــزيــلــة. لجأ الناس إلى “بيوت العمل” سيئة السمعة، حيث كان المـــوت أرحم من الحياة بداخلها.
أصدرت الحكومة قانوناً عُرف بـ “شرط الربع فدان”، والذي وضع الفلاحين أمام خيار مستحيل: التخلي عن أرضهم وأي أمل في المستقبل من أجل الحصول على طبق حساء، أو المـــوت جـــوعـــاً في أرضهم. النتيجة كانت موجات هائلة من عمليات الــطــرد القــســري وتــدمــيــر المنازل.
أمام الهــلاك المحقق، بدأت هجرة جماعية غير مسبوقة. تدفق مئات الآلاف نحو الموانئ لركوب سفن متهالكة متجهة إلى أمريكا وكندا. أُطلق على هذه السفن اسم “ســفــن الــتــوابــيــت”. كانت الظروف على متنها مــروعــة؛ تكدس البشر فوق بعضهم البعض بلا تهوية أو طعام كافٍ. تشير التقديرات إلى أن ما يقرب من ٣٠٪ من الركاب مـــاتـــوا في عرض البحر وألقيت جــثــثــهــم في المحيط الأطلسي.
بحلول عام ١٨٥٢، كانت المــجــاعــة قد انحسرت، لكن أيرلندا تغيرت إلى الأبد.
مـــات حوالي مــلــيــون إنــســان، وهاجر مــلــيــون آخر. انخفض عدد السكان بمقدار الربع تقريباً.
تركت المــجــاعــة نــدبــة غائرة في الذاكرة الجمعية الأيرلندية، وشكلت أساساً للمرارة السياسية، حيث لم تكن مجرد فشل في محصول البطاطس، بل كانت فشلاً ذريعاً للإنسانية




