عراقيون.. مرتزقة ام عقائديون ؟!
عبد الجليل الزبيدي ||

تتداول وسائل اعلام عراقية قضية مشاركة مقاتلين عراقيين في القتال على الجبهتين الروسية والاوكرانية بعد نشر مواقع التواصل مقاطع صورها ونشرها المقاتلون على الجبهتين .
وبدأت تحظى الانباء حول هذه القضية باهتمام واسع كونها مثيرة للاستغراب والتساؤل حول الاسباب التي تدفع الشاب العراقي الى العمل كمقاتل مرتزق لحساب جيوش اجنبية ؟؟!!
لكن البحث والتحقيق الاستقصائي يظهر ان العراقيين شاركوا في القتال خارج الوطن وعلى جبهات متضادة في بعض الحالات وفي مراحل تأريخية مختلفة خلال المئة عام الاخيرة على الاقل .
-في كتاب ( التأريخ يكتب مرتين ) وردت ارقام ووثائق تؤكد ان عراقيين من الحزب الشيوعي اشتركوا في القتال الى جانب القوات الروسية في جبهة ستالينغراد في يوليو تموز عام 1942 وان 40 مقاتلا منهم لقوا مصرعهم في القتال على تلك الجبهة .
-في ذات الزمن وعلى نفس الجبهة وفي صفوف القوات الالمانية ، شارك عراقيون في القتال ضد القوات الروسية وان عددا غير قليل منهم لقوا مصرعهم .
-وفي الحرب الارتيرية – الاثيوبية مابين (1961/1991) شارك شيوعيون واشتراكيون عراقيون في القتال الى جانب جيش التحرير الارتيري ضد القوات الامبراطورية الاثيوبية .
-وفي الحرب بين الشيوعيين في اقليم ظفار العماني والقوات الحكومية بين عامي 1963 و1975، اشترك عراقيون شيوعيون في القتال بعد ان تسللوا من الجانب اليمني .
-في اليمن الجنوبي شارك المئات من الشيوعيين العراقيين في القتال ضد القوات اليمنية الشمالية ويؤكد احد المقاتلين ان العشرات من العراقيين نساء ورجالا قتلوا خلال تلك المعارك .
_وبعد اندلاع الحرب ضد الجمهورية الاسلامية في ايران عام 1980 ، تطوع عشرات الالاف من العراقيين للقتال الى الجانب الايراني ، وافادت حصيلة شبه رسمية بمصرع 3500 عراقي واصابة نحو 9 الاف بجروح في تلك الحرب التي دامت 8 اعوام .
_في سورية وبعد عام 2014 ،ارسل اكثر من 7000 الاف متطوع عراقي للقتال ضد جماعات مسلحة سورية واخرى متعددة الجنسيات ،إذ لايزال عدد القتلى من العراقيين في الساحة السورية غير معروف حتى الآن.
-من جهتهم ، وافق العراقيون ( القوميون العرب الناصريون) على ان يتحولوا الى شبكة تجسس فعالة ضد بلدهم العراق ولحساب اجهزة الاستخبارات المصرية ، وتحدث بعضهم لاحقا بانهم ماكانوا يخجلون من كتابة تقارير حول تحركات الجيش العراقي وتنقلات الضباط حيث تسلم الى السفير المصري في بغداد ( أمين هويدي ) مبررين ذلك بانهم ( لا يؤمنون بالقطرية )!!!
ولكن . ماهي القناعات المبررة لمشاركة هذه الفئات من العراقيين في القتال على تلك الجبهات
فيما يتجسس آخرون ضد بلدهم ؟
يبدو ان الشيوعيين اللاجئين الدارسين في جامعات روسية خلال الحرب العالمية الثانية ، إما كانوا مضطرين للمشاركة الى جانب القوات الروسية او شاركو عن عقيدة ( الدفاع عن بيضة ومركز الشيوعية العالمية ) بعد اجتياح القوات النازية للاراضي السوفيتية عام 1941 وفي اطار عملية ،( بربروسا ) التي انهت النازية فيما بعد .
في الجبهة الالمانية ، اكيد ان يونس بحري واتباعه الذي شاركوا في القتال الى جانب القوات الالمانية ،كانوا على قناعة بان ،عقيدتهم باقامة (الامة العراقية) تتطابق مع مبادئ حزب العمل الاشتراكي النازي .
في جبهة ظفار العمانية ، مؤكد كذلك ان الشيوعي عريان السيد خلف وجماعته كانوا على قناعة بان الدفاع عن الشيوعية في ظفار لايقل حماسة عن القتال في مدينة الناصرية .
اما قناعات الشيوعيين في اليمن الجنوبي فهي اقل رسوخا وجدية , اذ يعترف شيوعيون انهم قاتلوا عن دولة اليمن الجنوبي لانهم كانوا محاصرين ولا خيار لديهم بعد ان فروا من العراق بسبب مطاردة نظام البعث للحزب .
في الجبهة الايرانية ، كان من الواضح ان حماسة السيد هادي العامري وجماعته في القتال ،تنطلق من قناعة ان الحرب يمكن ان تؤدي الى الاطاحة نظام صدام .
وعلى الجبهة السورية فإن المتطوعين العراقيين ذهبوا للقتال تحت ( شرعية ) الدفاع عن مرقد السيدة زينب مع ان اغلبهم قاتلوا في جبهات تبعد اكثر من 400 كيلومتر عن المرقد .
الآن نتساءل عن ( قناعات ) العراقي للقتال على الجبهتين الاوكرانية والروسية ؟
مع الاجتياح روسي لاقليم الدونباس في فبراير شباط عام 2022 .ركزت الدعاية الروسية وعبر شبكة قنوات (RT ) الرسمية على اتهام اسرائيل بالوقوف وراء تحريض الرئيس زيلنسكي على التحرش بروسيا ، ولكي لايغضب الاقلية الروسية في اسرائيل ولغرض احداث ارباك في المجتمع اليهودي قال الرئيس بوتين ،( ان النازيين الجدد المتحالفين مع اليهود الاوكران هم من يقفون وراء التصعيد ..) .
هذا الخلط المثير والمتناقض وضع الحرب تحت عنوان عقائدي مع تلميح انها ليست فقط حرب روسية هي ايضا حرب القوى الثورية المناهضة للصهيونية الاوروبية .
وهنا اعلنت ايران دعمها العملي لروسيا بحدود عام 2023 بارسال اعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات الحربية المسيرة الى روسيا .
فئة من العراقيين في بغداد ،رفعت صورا ولافتات تشيد بالرئيس الروسي واطلقت عليه كنية ( ابوعلي بوتين ) وذلك في اشغره الى انه في جماعات المقاومة الشيعية ,مايعني ذلك ان مساندة بوتين في هذه الحرب يأتي في اطار ( وحدة الساحات ) ! .
في الاثناء ظهرت موجة غير مسبوقه من مواقع وصفحات تفتح باب التطوع للقتال في الجبهة الروسية مع مغريات مالية ومنح الجنسية والزواج من الروسيات الحميلات .
ايضا ظهرت قنوات على السوشيل ميديا موجهة الى العراق وسوريا تحديدا تروج للجوء الى اوروبا عبر خط : بغداد- موسكو- منسيك – والى پولندا .
لا استبعد ان خط الهجرة هو من تدبير عصابة فاغنر وبالخلفية الاستخبارات الروسية لان العشرات من العراقيين اختفوا على ذلك الطريق من خلال ايقاعهم بالفخ بعد اعتقالهم على الحدود البيلاروسية البولندية حيث يجري ترحيلهم الى روسيا باعتبارها بلد الوصول وهناك يتم مساومتهم : إما السجن لعبورهم حدود بلاروس بطريقة غير شرعية او يعرض عليهم التطوع مقابل مغريات ، وذلك مع ..مغازلة القناعات والمبررات لدى بعض العراقيين بشان العقيدة السياسية التي تبرر الاصطفاف الى الجانب الروسي .
هذا عن المرتزقة العراقيين وغيرهم في الجبهة الروسية .. ماذا عن قناعاتهم عند التطوع الى جانب الجبهة الاوكرانية ؟ !!
من حيث الاصول الاولى لتشكل فكرة القتال في جبهات غير وطنية او لا تنطبق عليها شروط ( الجهاد الدفاعي ) وهي: العرض – والارض – المال – وبيضة الاسلام .. تعود الى مرحلة مابعد دخول الاسلام الى العراق وتحول مقاطعتي البصرة والكوفة الى معسكرات لاحتشاد المقاتلين المحترفين الذين جاؤا من مناطق صحراوية قاسية في شبه الجزيرة العربية .
هؤلاء الرجال من حملة السيوف والمتفاخرين بالعضلات والقتال الدموي والانساب والالقاب ، كانوا النواة الاولى لتشكل فكرة ( العالمية العراقية ) .
هذه الفكرة التي تحولت الى سلوك اجتماعي توسعت وترسخت بعد تاسيس مدينة بغداد سنة 752 م ومعه تغيرت الملامح الاجتماعية لتبلغ بعد نحو مئة عام ،وفي عهد المتوكل (847-861) مستوى من التباين بحيث يؤكد مؤرخون انه كان من الصعب العثور في ازقة بغداد على عراقي ينتمي في هويته الى هذه المدينة وذلك لتعدد اصول الساكنين في بغداد ومن اعراق وقوميات تنتمي وتنحدر من اقاليم تمتد من الاندلس الى الهند .
ربما لهذا السبب في ( تكوين الهوية العالمية ) لم يجد ( العراقي العالمي ) ضيرا في تبني افكار الاممية الشيوعية ( الروسية ) عام 1928، وافكار النازية عام 1936 عن طريق ( جماعة الاهالي ) ، والانضمام الى جماعة الاخوان المسلمين ( حسن البنا المصري ) عام 1932 ، وتبني افكار حزب البعث ( ميشيل السوري ) ببعدها القومي الشمولي عام 1947. او باحتضان افكار الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 .
لاحظ مما سبق، ان تلك الافكار السياسية هي مستوردة ووافدة وعابرة للحدود وليست من انتاج وطني عراقي ما يؤكد ان الاستعدادات العقلية والفكرية العراقية منفتحه على العالم وضيقة جدا في تلقي محاولات انتاج الفكرة الوطنية التي سعى اليه كل من كامل الچادرچي وجعفر ابو التمن وعبد الكريم قاسم.
ومع حالة العالمية وغياب الهوية العقدية الوطنية ،ليس مستبعدا ان نسمع عن عراقيين يقاتلون في اوكرانيا وفنزويلا وربما في الصين مستقبلا .




