من “الأقلية” المستهدفة إلى “المكون” الشريك: الكرد الفيلية وجدلية الهوية في العراق..!
رعد صباح زنكنة ||

في القاموس السياسي العراقي الجديد لم تعد المفردات مجرد وسيلة للتواصل بل أصبحت أدوات لانتزاع الحقوق وتثبيت الوجود ولعل أبرز هذه الجدليات اللغوية السياسية هو التحول من مصطلح “الأقلية” إلى “المكون” وهو تحول يجد أصدق تجلياته في قضية الكرد الفيلية.
إن الفرق بين المفهومين ليس ترفاً فكرياً فالأقلية مفهوم يستند إلى الرياضيات حيث تحكم الأغلبية وتحتاج القلة إلى الحماية والشفقة أحياناً أما المكون فهو مفهوم يستند إلى الهندسة حيث يُنظر للوطن كبناء وهذه الجماعة هي أحد أعمدته الأساسية بغض النظر عن حجمها وسقوط هذا العمود يعني تصدع البناء الوطني بأكمله.
يمثل الكرد الفيلية النموذج الحي لهذا الصراع المفاهيمي تاريخياً لم يعان الفيلية من كونهم أقلية فحسب بل تم التعامل معهم في حقب الديكتاتورية بصفتهم غرباء عن النسيج الوطني مما عرضهم لجرائم التهجير القسري وإسقاط الجنسية ومصادرة الأموال لذا فإن نضالهم اليوم لتثبيت وصفهم كمكون أساسي ليس بحثاً عن وجاهة اجتماعية بل هو رد اعتبار تاريخي وقانوني يؤكد أصالتهم في الأرض العراقية.
ورغم الاعتراف الدستوري بعراقيتهم وقرار المحكمة الجنائية العليا باعتبار ما تعرضوا له إبادة جماعية إلا أن الإشكالية السياسية ما زالت قائمة يتأرجح الفيلية اليوم بين مطرقة الانصهار كأرقام تكميلية داخل المكون الكردي القومي أو المكون الشيعي المذهبي وبين سندان الطموح لانتزاع اعتراف بهم كمكون رابع مستقل بخصوصيته الثقافية والجغرافية.
إن نظام الكوتا الحالي الذي يمنح الفيلية مقاعد يتيمة في البرلمان أو مجالس المحافظات ما زال يتعامل معهم بمنطق الأقلية العددية التي تُمنح هامشاً للحضور الشكلي وليس بمنطق المكون الشريك الذي يمتلك حق الفيتو والشراكة في صناعة القرار الاستراتيجي.
إن إنصاف الكرد الفيلية لا يتحقق بمجرد حمايتهم كأقلية بل بالتعامل معهم كشركاء مؤسسين للدولة فالمكونات في الأوطان لا تُوزن بأعدادها بل بعمق جذورها وتضحياتها والفيلية بهذا المعيار هم مكون من الطراز الأول لا أقلية على هامش .




