قراءة قانونية مجردة في استبعاد بعض المرشحين الفائزين في الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2025..!
الخبير القانوني د. محسن حنون العكيلي ||

تُعدّ قرارات استبعاد المرشحين الفائزين في الانتخابات النيابية من الموضوعات ذات الحساسية الدستورية والإدارية، لما لها من مساس مباشر بالإرادة الشعبية ونتائج الاقتراع العام. وهي تخضع في جوهرها لأحكام:
1. قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات رقم (31) لسنة 2019
2. قانون انتخابات مجلس النواب رقم (9) لسنة 2020 المعدل
3. الدستور العراقي لعام 2005، ولا سيما المواد (5)، (14)، (20)، (52)، (93).
وبصدد الجدل الدائر حول استبعاد بعض الفائزين بعد انتهاء الانتخابات بذريعة عدم توفر شروط الترشيح، نعرض فيما يأتي قراءة قانونية تفصيلية.
أولاً: حدود صلاحية المفوضية في تدقيق شروط الترشح – التحديد الزمني
تنص المادة (10/ثالثاً) من قانون مفوضية الانتخابات رقم (31) لسنة 2019 على:
“المصادقة على قوائم المرشحين للانتخابات بعد تدقيق توافر شروط الترشيح لديهم”.
إن هذه الصلاحية ذات نطاق زمني محدد، وتُمارس قبل موعد الاقتراع، وتحديداً خلال فترة الدعاية الانتخابية التي تبدأ بعد مصادقة مجلس المفوضين على أسماء المرشحين.
وتعدّ هذه المصادقة بمثابة “جواز المرور القانوني” الذي يكتسب بموجبه الشخص صفة “المرشح” أمام الناخبين.
وبالتالي:
لا تملك المفوضية قانوناً سلطة إعادة فتح ملف شروط الترشيح بعد إجراء الانتخابات، لأن ممارسة هذه الصلاحية خارج نطاقها الزمني يؤدي إلى إهدار مبدأ الاستقرار الإجرائي والتنظيمي الذي تمثله المواعيد الانتخابية القطعية.
ثانياً: انتقال المركز القانوني للمرشح بعد الفوز
بعد انتهاء الانتخابات، يتغير مركز المرشح القانوني، وينتقل من:
• مرشح يخضع لرقابة المفوضية بشأن توافر شروط الترشيح
إلى
• فائز يمثّل جزءاً من الإرادة الشعبية ويخضع لقواعد أخرى تتعلق بالجرائم الانتخابية والطعن في صحة العضوية.
إن صلاحيات المفوضية في هذه المرحلة لا تشمل البحث في شروط الترشيح التي تم تدقيقها سابقاً، وإنما تتركز فقط على:
• النظر في الشكاوى الانتخابية
• التحقيق في الجرائم الانتخابية
• إعلان النتائج
ويؤيد هذا الاتجاه مبدأ عدم جواز سحب القرار الإداري السليم بعد تحصّنه بمرور المدة، لأن المصادقة على قوائم المرشحين تُعدّ قراراً إدارياً منشئاً لمركز قانوني جديد.
وبخلاف ذلك، فإن استبعاد الفائز بسبب شرط ترشح كان يجب بحثه مسبقاً يؤدي إلى:
– إفراغ المواعيد التنظيمية للمصادقة من قيمتها القانونية
– المساس بالإرادة الشعبية (المادة 5 من الدستور)
– مخالفة قاعدة اليقين القانوني.
ثالثاً: الإرادة الشعبية لا يجوز تقييدها بقرارات لاحقة من المفوضية
يمثل الفائز – وفق المادة (20) من الدستور – الإرادة الحرة للناخبين التي تم التعبير عنها عبر الاقتراع العام.
ولا يمكن قانوناً رهن هذه الإرادة بقرار إداري لاحق من مجلس المفوضين يتعلق بالترشح بعد انتهاء الفترة المحددة لذلك.
إن الدستور في المادة (5) ينص على:
“السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها.”
وبالتالي، فإن إلغاء إرادة الناخبين بعد تحققها يعدّ إخلالاً بمبدأ سيادة الشعب، ويشكل تحكماً إدارياً غير مشروع في نتائج الانتخابات.
رابعاً: تطبيق قوانين المساءلة والعدالة – التزام الإطار الزمني
يُعد قانون المفوضية رقم (31) لسنة 2019 قانوناً خاصاً يقيّد القوانين العامة الأخرى المتعلقة بشروط الترشيح، ومنها قانون المساءلة والعدالة.
وهو يحدد:
• مواعيد تقديم الاعتراضات
• مواعيد البت
• مواعيد المصادقة على أسماء المرشحين
• آليات الطعن أمام القضاء
وعليه:
– لا يجوز تفعيل أحكام قوانين أخرى بعد انتهاء المواعيد التنظيمية المحددة ضمن قانون المفوضية.
– أي خلل في شروط الترشح يجب أن يُعالج قبل المصادقة على القوائم، وليس بعدها.
والقول بخلاف ذلك يؤدي إلى:
• مصادرة أصوات الناخبين
• مخالفة مبدأ الأمن القانوني
• انتهاك المادة (14) من الدستور التي تضمن المساواة وعدم التمييز في تطبيق القوانين.
خامساً: سلطة المحكمة الاتحادية ومجلس النواب – الإطار الدستوري
1. المحكمة الاتحادية العليا – المادة (93/سابعاً) من الدستور تنص على:
“المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب.”
وهي الجهة الوحيدة المختصة دستورياً بالتعامل مع نتائج الانتخابات بعد إعلانها.
2. الاعتراض على صحة العضوية – المادة (52) من الدستور تنص على:
1. يبتّ مجلس النواب في الطعون المقدمة إليه حول صحة عضوية أعضائه خلال ثلاثين يوماً.
2. يجوز الطعن بقرار المجلس أمام المحكمة الاتحادية العليا خلال ثلاثين يوماً.
بذلك يكون الطريق الدستوري لمعالجة أي خلل في شروط العضوية هو نص المادة اعلاه، وليس إعادة فتح ملف الترشيح في مفوضية الانتخابات بعد الاقتراع.
بناءً على ما سبق أخلص إلى ما يأتي:
1. إن شمول المرشح الفائز بإجراءات المساءلة والعدالة أو أي سبب آخر يمس أهلية الترشح يجب أن يُعالج حصراً ضمن الفترة الزمنية السابقة على إجراء الانتخابات، أي قبل:
• المصادقة على أسماء المرشحين
• بدء الدعاية الانتخابية
• إجراء الاقتراع
2. بعد إجراء الانتخابات، لا تملك المفوضية أي سلطة لإلغاء أهلية الترشح، وإنما ينعقد الاختصاص إلى:
• المحكمة الاتحادية العليا (المادة 93)
• مجلس النواب عبر آلية الاعتراض على صحة العضوية (المادة 52).
إن احترام الإرادة الشعبية ومبدأ الاستقرار القانوني يقتضي الالتزام الصارم بالمواعيد الدستورية والقانونية المنظمة للترشيح والانتخاب.
وأي توجه لاستبعاد الفائزين بعد إعلان النتائج بسبب شروط ترشيح منتهية البحث يعد إجراءً غير دستوري وغير نافذ، ولا يمكن التعويل عليه من قبل السلطات التنفيذية أو التشريعية.




