• الله وصدام حسين..!
عبد الجليل الزبيدي ||

الرائد قيصر دحام عبد الغفور المجيد ، وهو ضابط عمل في الحماية الخاصة بالديكتاتور صدام حسين خلال الفترة من (1988-2003 )
-سأله الاعلامي : كيف تفسر وجود بار للخمور مع سجادة للصلاة في اغلب القصور الرئاسية التي كان يتردد عليها الرئيس صدام ؟
قيصر : احيانا الرئيس عندما يسكر كان يعجبو يصلي .
قد تبدو رواية هذا الشاهد انها تتعلق بأمر شخصي أو انحراف جزئي في سلوك صدام حسين , ولكن في الاطار الاوسع والاشمل ومن خلال تتبع وتحليل منهج ذلك الديكتاتور طيلة حياته الشخصية والسياسية , يتضح ان لديه طريقة خاصة وتفسير مغاير للعلاقة مع الدين ومع الخالق ,تبلورت وترسخت وآمن بها بعد قرآءة معمقة لسير ابرز الحكام والملوك والقادة في التأريخ , لتنتج لديه رؤية خاصة بان للحاكم مالا يجوز للرعية بمعزل عن حدود الرب والقيود الملزمة والمنقولة عن الله في الكتب المقدسة وما ورد في احاديث وسير الانبياء .
إذن الحاكم صدام حسين خلص الى وضع ( شريعة الحكام ) بجوار او بمصاف ( شريعة الحاكم المطلق ) , ولكن كيف حصل هذا الانحراف وماهي بداياته التي يمكن ان تفسر لنا نشأة الطغاة المرضى عقليا والمنحرفين منهجا وسلوكا ؟
لغاية عام 1963 , لم يكن صدام التكريتي مهتما بالدراسة والتعليم وقرآءة الكتب الى ان التقى بمؤسس حزب البعث ميشل عفلق الذي اعطاه رزما من الاوراق والكتب وطلب منه قراءتها بتمعن , وكانت الرزم تحوي كتابات ومقالات لافكار عفلق .
و
من هو عفلق ؟ يقول احد الدارسين والمحللين لفكر ميشيل عفلق ان هذا الرجل كان ضحية حالة التباس وتناقض فكري وثقافي مابين المسيحية واليهودية حينما ولد وعاش في حي الميدان بمدينة دمشق حيث تعددت الكنائس وتفاوتت مناهج التعليم في المدارس الدينية في ذلك المجتمع الذي يؤمن بعقائد الارثذوكسية والتي هي خليط مضطرب من الديانتين .
ذلك الاضطراب الفكري الذي حمله ميشيل عفلق وجد ضالته في الشاب المتمرد صدام التكريتي الجاهل تعليميا وثقافيا ولا يمتلك قاعدة معرفة اكاديمية تحصنه من من الافكار المنحرفة والمضطربة وبالتالي لم يكن بمقدوره التفحص لتحديد الفاصل ما بين الصواب والخطأ والملتبس والمدلس والشك واليقين والذي يفترض ان يوصله الى حقيقة دور الانسان في دورة الحياة الدنيوية …
ومنذ تلك المرحلة ,تشكلت عقلية البعثي المنحرف لتكون بداية تشكل ديكتاتور وفق قاعدة مكونة من ثنائيتين :
-عقلية شاب بلا قاعدة بيانات اكاديمية وعلمية
-افكار استاذ مضطرب فكريا وعقائديا ويبحث (متمردا )عن طريق ثالث ما بين ثقافتين وينظر الى الاسلام (( انه جزء من تراث أمة عظيمة ) وفق ما ورده في كتابه –في سبيل البعث .
ووفق هذا العقل القاصر وقاعدة من القيم الشاذة وغير الصحيحة , حينما يقرأ صدام التاريخ والسير ,فهو ينتقي منه ما رسمته قاعدة بياناته تلك من رؤية للحياة والدين والسياسة والسلطة .
إذ من المؤكد ان صدام حسين قرأ الرواية اليونانية لسيرة الاسكندر الاكبر على انه جبار دموي و(لم يقرأ الرواية القرآنية ) , ويبدو ان صدام توقف كثيرا عند وصية والد الاسكندر (فيليب الثاني ) الذي همس باذنه قائلا : انت ستصبح ملكا وعليك ان تتقن من الآن كيف تقتل أخيك .
ومن المؤكد ان صدام لم يقرأ سيرة العالم الجليل سعيد بن جبير وانما فضل قراءة سيرة الحاكم الحجاج وحفظ مقولاته :
-والله لأضربنكم ضرب غرائب الابل
-إني لأرى كلامكم لا يثبت إلا بالحديد والنار
-إني لأحمل الشر بثقله ,وأحمله بحدٌه.
-ان حزمي وعزمي لمخيف ويسبقني لمسافة أيام .
لاحظ ان العبارة الاخيرة للحجاج استهلم منها صدام حسين مضامين كلمته خلال لقاءه مدراء الامن العام مطلع 1993 حينها قال صدام : (( انتم لا تنزعجوا حينما تسمعون في الاذاعات بان هناك قتل وتعذيب في السجون العراقية بل عليكم ان تفتخروا لانكم تؤدون واجبكم بما يرضي الله وان هذه الاقاويل عنكم تخيف الاعداء ..)).
يقول ابراهيم الزبيدي صديق صدام ايام الطفولة والشباب انه سمع صدام يقول ( ..لايوجد شيئ اسمه مجرم ، الذي يحصل هو ان الله وضع الضحية امامي فاطلقت عليه النار ..إذن هو القضاء والقدر الذي صنعه الله ) .
لاحظ ان صدام بهذا الاعتقاد انما يذهب بتفسيره الخاص ( وفق شريعته ) لما حصل بين قابيل وهابيل وانه اخذ من ( المرجئة ) حتمية القضاء والقدر وان الانسان لا يحاسب في الدنيا على افعاله وان الامر موكول الى الله , واضعا نفسا بديلا عن الرب في تحديد ما هو خطأ وماهو قضاء وقدر .
هذا الاعتقاد بانه هو لديه فهمه الخاص مقابل (فهم الله ) ورد في حديث لصدام في شتاء عام 2000 وخلال لقاءه مسؤولين في الدولة وحينها وجه نصيحة باستسلام القوات الشيشانية بقيادة جوهر داداييف للقوات الروسية معتبرا ان العرب افهم من الشيشان بالاسلام ,إذ قال (( ان الله وضع الاسلام عند العرب لانهم اعرف حسب فهمه ..))!!
عبارة ( حسب فهمه ) والتي تعني احتمال ان يسئ الله الفهم , وردت نصا في اكثر من مقال كتبه ميشل عفلق اواخر عقد الخمسينيات من القرن الماضي حينما كان يكتب عن ( الاسلام والعروبة تطابق ام تعارض).
بهذا الفهم الخطر ووفق تلك العقلية المؤسسة على تصورات منحرفة و(شريعة الحكام الطغاة ) ,لم يتردد الديكتاتور بارتكاب احداث رهيبة لكي تكون جزءا من تراث عقيدته وشريعته الجديدة وذلك تشبها بحوادث مروعة ارتكبها حكام عبر التأريخ هو معجب بهم ويتشبه بما ارتكبوه ..
فهو لم يتردد بالقول (( ياريت يضربونا الاميركان بالنووي حتى ندخل نحن وشعبنا التأريخ )) وذلك في معرض رد صدام على حديث طارق عزيز في اجتماع عقد يوم 8 كانون الثاني عام 1991 بشان احتمال استخدام اميركا قنبلة ذرية لضرب بغداد مالم تنسحب القوات من الكويت .




