ما حدا مما بدا…!
علي جاسب الموسوي ||
4/9/2025

ليس ما يجري اليوم من قرارات مباغتة وانفجارات متزامنة وتسريبات مضطربة حدثً عابرا، ولا هو ارتباك إداري كما يُراد للعراقي أن يصدق .. فمنذ قمة شرم الشيخ سيئة الصيت، والبلاد تُقاد بخيط خفي يتقاطع عنده الأمريكي والإسرائيلي، ويتحول فيه القرار العراقي إلى ظلّ باهت لإرادة أخرى تملي وتوجه وتُخفي يدها في اللحظة الحاسمة.
وحين نرى قرارا خطيرًا يُنشر في الوقائع العراقية ثم يُسحب بطريقة مثيرة للشكّ يصنّف حب الله اللبناني ومن خلفه حركة أنصار الله الحوثي كـمنظمات إرهابيـ.ـة ويقضي بتجميد أموالهم في العراق .. فذلك ليس زلة قلم ولا سوء تنسيق، بل هو خطوة من خطوات المشروع الإبراهيمي الذي يُراد له أن يتسلل إلى قلب بغداد، تحت مظلة حكومة لم تعد تخفي انحيازها، ولا تُحسن حتى التمويه بعد اليوم.
إن هذا القرار – حتى وإن جرى التراجع عنه إعلاميا – قد خرج من مطبخ واحد: مطبخ التطبيع، ومطبخ إعادة تشكيل المنطقة بشكل يخدم إسرائيل أولًا وأخيرًا … فمن يتقدم بهذا القرار يعلم جيدا من هو حزب الله .. ومن هم أنصار الله ومن هم شهداؤهم وقادتهم الذين حملوا أرواحهم لحماية كرامة العراق يوم داست داعش أرضه .. وهل ينسى العراقي أن يد حب الله اللبناني كانت أول الأيدي الممدودة إلى جبهتنا .. وأن مستشاريه وقادته دخلوا قبل الكثيرين حين كان الخطر أسود كثيفًا؟ فهل جزاء الإحسان إلّا الإحسان؟
لكن يبدو أن بعض الساسة لا يعرفون معنى الوفاء، ولا يدركون أن الذاكرة الشيعية لا تُشترى ولا تُباع .. وأن الأمة التي تحفظ دماء الشهداء تحفظ معها أسماء الرجال الذين آزروها يوم اشتد البلاء.
ويبدو السيناريو يحمل مشهد مُريب: قصف هنا ..واتهامات هناك، وقراراتٌ تُدار في الظلام
الغريب أن توقيت هذا القرار جاء متزامنا مع قصف حقل كورمور في السليمانية .. ومع حملات منظمة لتحميل فصائل المقاومة المسؤولي ..ثم مع تسريبات عن لجان تحقيق تُلمح بتغيير قادة مناطق حساسة .. بحيث يبدو كل شيء مترابطا بإحكام .. كأن هناك من يريد أن يخلق بيئة عدائية .. تُشيطن قوى المقاومة وتدفع الناس لتقبل خطوات أكبر لاحقًا.
وكأن ثمة جهة تريد أن تُفسد الفرحة الشيعية بالنجاح الانتخابي وأن تخلط الأوراق كلما استقرت .. مرة بقرار مستفز ومرة بتصعيد أمني ومرة بإرباك حكومي حتى يتوه المواطن بين الأسئلة ولا يدري حقيقة ما يُراد به.
ولكن السؤال: هل يعي أم يُساق؟
ليست القضية شخصنة، بل توصيف واقع فالرجل – رئيس الوزراء – يتصرف اليوم وكأن يسلك طريقا اختارته واشنطن وتل أبيب لا طريقًا أجمعت عليه القوى الشيعية التي جاءت به إلى الحكم .. وإن لم يُدرك خطورة هذا المسار، فإن الخطوة المقبلة ستكون لا محالة نحو الحشد الشعبي .. تماما كما جرى في تجارب دول أخرى بدأت بإدانة الحلفاء ثم انتهت بضرب الركائز الأساسية للأمن الوطني.
لقد قيل في التاريخ إنّ (عقر الناقة) كان إعلان تمرد على نبي الله صالح .. واليوم إن لم يعقل السوداني فسوف يكون عقرُهُ هو الحشد والمقاومة ليس لأنهما خطر بل لأن واشنطن ترى فيهما العقدة الأخيرة التي تمنع العراق من الدخول الكامل في مشروع التطبيع.
سؤالي إلى الإطار… وإلى العقل الشيعي
من الواضح أن هناك من (يبيت) لهذا المشروع ويخطط ليلًا لخلق فتنة تُستهدف بها الفصائل أولا ثم المرجعية معنويا ثم الهوية الشيعية سياسيا .. والمطلوب وقفة واضحة وصريحة من قادة الإطار قبل أن يتجاوزهم المشهد ويُفرض عليهم أمر واقع؟؟.
هل يعقل أن يُصنف حزب الله – الذي وقف مع العراق في أقسى أيامه – كمنظمة إرهابية؟ هل يعقل أن يُجرم أنصار الله الذين كانوا شوكة في حلق المشروع الصهيوني؟ هل يعقل أن يتجرّأ بعض موظفي الدولة على توقيع قرارات بهذا الحجم دون أن يُحاسبوا؟
أليس هذا كله جزءًا من (صفقة) تُدار في الخفاء منذ قمة شرم الشيخ؟
ختام الكلام لا بارك الله بكم … ستبقى كلمة العراق هي الواعية عبر التاريخ .. العراق أكبر من لعبة الأوراق .. وأكبر من قراراتٍ تُكتب ثم تُسحب .. العراق الذي يعرف شهادة قادته .. ويعرف مَن وقف معه ويعرف مَن خان .. لن تنطلي عليه هذه المسرحيات.
والعراقي الشيعي، الذي تربّى على قوله تعالى ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ لن يقبل بأن يُساق إلى مشروع إسرائيلي بوجه عراقي.
أما المقاومة .. فستبقى الاسم الذي يحفظ توازن المنطقة .. وهي التي قالت يوما (نحن قومٌ لا نُهزم لأننا لا نُساوم)
فليتذكر ومن هو في خطه: إن الشيطان سابقا تمثل في بهيئة جمل احمر اسمه عسكر قد حمل مشروع شر يريد ان يقضي على الاسلام .. لكنه اليوم يتجسد في كل قرار يُقصي المقاومة ويُجامل إسرائيل .. والعاقل هو من يقطع يد الشيطان قبل أن يقطع الشيطان طريق وطن بأكمله.
https://t.me/alicha




