العثّة.. بيوضُ البعثِ التي فَقَسَتْ قاصراتٍ يَبكينَ فِسقاً..!
كاظم سلمان ابورغيف ||

خمسة وثلاثون عاماً من حكم البعث (1968–2003) كانت كافية لزعزعة جذور العراق الأخلاقية والمعرفية، وإحلال ثقافة الخراب بدل ثقافة الأنبياء والأوصياء والأولياء التي كانت تحرس هذه الأرض. خلال تلك الحقبة، اقتلع البعث الكفاءات، هجّر العقول، قتل أهل الفكر، وملأ المناصب بأعور البصيرة وناقص الشرف. وحين سقط عام 2003، لم تسقط معه البيوض التي زرعها في جسد المجتمع والدولة، لأن الاجتثاث كان سياسياً شكلياً لا منهجياً علمياً.
ومع مرور السنين، لم تقم مؤسسات الدولة التعليمية والإعلامية والثقافية بمسؤوليتها في مواجهة هذا الإرث، فتُركت “البيوض” في ظلام الإهمال حتى فقست… فقست وعياً هشّاً، وذوقاً منكسرًا، وأجيالاً مشوَّشة لا تعرف تاريخها ولا تدرك خطورة الماضي الذي يحاول العودة من شقوق الحاضر.
قاصراتٌ يبكين فِسقاً… والمجتمع يبكي ضياع بوصلة الوعي
المشهد مؤلم:
قاصرات من بنات العراق — بلد الأنبياء والأوصياء والأولياء — يبكين على المطرب والمطربة، يتفاعلن مع الفانشستات وضجيج مواقع التواصل، ينهدم وجدانهن لأجل موجةٍ رائجة، بينما يتساقط الوطن تحت ضربات العثّة التي خلّفها البعث.
الدمع بحد ذاته ليس مشكلة…
لكن أن تنزل دمعةٌ على التفاهة، بينما يجفّ الدمع عن جراح البلاد—فهذا هو الخراب الحقيقي.
هذه الظاهرة ليست عابرة؛ إنها نتاج فراغٍ معرفي وقيمي تركته الدولة بلا معالجة، حتى أصبح الجيل الجديد يملك عاطفة مشتعلة بلا عقلٍ يرشدها، وحماسة بلا وعي يحصّنها.
إعلامٌ يضخّ التفاهة… ويترك العثّة تتكاثر
كان على الإعلام العراقي بعد 2003 أن يحمل راية الوعي، أن يفضح جرائم البعث، أن يبني سردية وطنية تحصّن المجتمع من عودة الشمولية.
لكن ما جرى هو العكس:
تحوّل الإعلام إلى مطاردة الترند، وإلى صناعة نجوم اللحظة، وإلى سوقٍ للتفاهة، وتركت الشاشات كل مسؤولية تثقيفية.
وغرق الجمهور — وبالذات القاصرات — في الضجيج، في حين بقيت البيوض القديمة تبحث عن منفذ للعودة… وقد وجدته في ضعف الوعي العام.
تربية وتعليم عالٍ بلا مشروع… جعلت الجيل فريسة لأي موجة
لو قامت وزارتي التربية والتعليم العالي بواجبهما:
ببناء مناهج تكشف حقيقة البعث،
وتعلم معنى الحرية والاستبداد،
وتحصّن الطالب فكرياً وقيمياً،
لما رأينا الأجيال الجديدة تتفاعل مع «فِسق الفانشستات» أكثر مما تتفاعل مع قضايا وطنها.
إن الجيل الذي لم يتعلم كيف نُهبت كفاءات العراق وكيف أُبيدت عقول البلد، سينجذب بالضرورة إلى التافه والسطحي، لأنه لم يُعطَ أدوات الفرز ولا بصيرة التقييم.
وزارات ثقافية ومجتمع مدني… غيابٌ يجعل العثّة تتضخم
أين برامج التوعية؟
أين المشاريع الوطنية التي تعيد قراءة 35 سنة من القمع؟
أين المراكز البحثية التي توثق وتشرح وتحلل؟
أين الإنتاج الثقافي الذي يعيد للناس ذاكرتهم المسروقة؟
لم يُصنع فيلم وطني واحد يحاور التاريخ بعمق.
لم تُطلق حملة واحدة تحصّن الشباب من إعادة إنتاج الاستبداد.
لم يتحرك المجتمع المدني إلا في المناسبات، ببيانات احتفالية وصورٍ تذكارية لا تمسّ عمق المشكلة.
وهكذا، بينما تنشغل القاصرات والمراهقات بالبكاء على مطرب، تنشغل البيوض القديمة بإعادة بناء شبكاتها داخل الدولة.
#الخلاصة: حين يبكي الجيل على الفسق… فاعلم أنّ العثّة تعمل
إن بكاء القاصرات على المطربين ليس ظاهرة اجتماعية بريئة؛ إنّه جرس إنذار بأن الوعي الذي تم تدميره خلال 35 عاماً من حكم البعث لم يُعاد بناؤه حتى اليوم.
وأن المؤسسات التي كان عليها اجتثاث العثّة — التربية، التعليم، الإعلام، الثقافة، المجتمع المدني — تركت المعركة فارغة، فتكاثرت البيوض حتى فقست ما نراه اليوم.
ولا تُشفى البلاد من إرث البعث إلا حين يعود الدمع لموضعه الصحيح:
يبكي على الوطن…
لا على الفسق.




