الجمعة - 21 اغسطس 2026

•• أميركا واحتمال تشكيل حكومة “الفصائل” في العراق..!

منذ 9 أشهر
الجمعة - 21 اغسطس 2026

عبد الجليل الزبيدي ||

 

 

اسفرت الانتخابات العراقية عن انتخاب اكبر كتلة منسجمة في البرلمان وتمثل القوائم التي لديها اجنحه مسلحة وعدد مقاعدها 110 .

110 نائب هؤلاء بمقدورهم تشكيل الكتلة الاكبر. ..او في الحد الادنى سيكون ثقلهم هو من يحدد منهح وسياسة وتوجهات الحكومة المقبلة .

فكيف سيتعاطى المجتمع الدولي والغربي والولايات المتحدة الاميركية مع هذا التطور اللافت في الحياة الديمقراطية في العراق ؟

اعتقد لا اميركا ولا دول الاقليم ولا القوى السياسية العراقية التقليدية ، كان في حساباتها في يوم ما ان تواجه برلمانا عراقيا منتخبا مباشرة من الشعب العراقي اغلبيته من المقاتلين المنضوين تحت رايات الفصائل المسلحة في العراق .

غير ان القاعدة الذهبية في علم السياسة تقوم على اساس اللا عداوات ولا صداقات دائمة في حسابات المصالح والربح والخسارة في العلاقات السياسية .

وفي ضوء العقلية الحاكمة في البيت الابيض ، وعقلانية قادة قوى المقاومة وقوى التحرير في العراق ، في تصوري هناك نقاط التقاء وتداخل مصالح يبدو واضحا بين الطرفين .

أولا: كتلة ال(110) نواب .

بتقديري هذه الكتلة امامها فرصة تاريخية لنيل الاعتراف الدولي والغربي بها على غرار العديد من القوى المسلحة في العالم مثل منظمة التحرير الفلسطينية وجبهة التحرير الجزائرية ومؤخرا هيئة تحرير الشام في سورية .

وتبدو التصريحات الاخيرة لوزير الخارجية الاميركي انها منسجمة مع نتائج الانتخابات ، إذ قال (( ان واشنطن جاهزة للتعامل مع الحكومة التي ستتشكل في ضوء نتائج الانتخابات … )) .

مايعني ان الادارة الاميركية ستتعامل بواقعية مع الحكومة القادمة بمختلف عناوينها وواجهاتها وبالتالي لا ڤيتو اميركي على اية جهة او فصيل سيشارك في الحكومة وذلك على غرار التعامل الاميركي الايجابي مع الحكومات اللبنانية التي كانت تضم الثلث المعطل لصالح حزب الله . .

الفصائل العراقية التي ظهرت على مرحلتين : مرحلة الاحتلال ومرحلة اجتياح جماعة داعش الارهابية ، من مصلحتها الانتقال الى المرحلة الثالثة ( ادارة الدولة ) وذلك بعد ان نجحت في الاندماج بالدولة ومؤسساتها منذ عام 2018 واثبتت نجاحها في مرحلة الاندماج بعد ان أصبحت لها قاعدة جماهيرية متنامية وان خيار القوى الثورية والتحررية هو في مقدمة خيارات الناخب العراقي وليست مفروضة عليه .

العامل الثالث من مصالح القوى المسلحة ، هو استثمار وتوظيف واقعيتها في العمل السياسي ومباشرتها في التعاطي مع الخصوم والاصدقاء على السواء وذلك على النقيض من الاحزاب السياسية التقليدية التي تتناقض بين الظاهر والباطن في العلاقات الداخلية والخارجية .

واعتقد ان الواقعية التي اظهرتها بعض فصائل المقاومة في مراحل سابقة وخلال ازمات اقليمية يثبت نجاح هذا النهج وان الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب تفاعلت هي كذلك بموجب واقعية ترامب نفسه الذي يتبنى نجاح الصفقات في الحد الادنى .

ثانيا : الولايات المتحدة

ان ما يهم اميركا هو ان تكون لهذه الجماعات العراقية مصالح سياسية وارتباطات متوازنة مع العالم وبما يخدم استقرار هذه المنطقة ، وهو الاستقرار المطلوب لتوازن اسعار البترول وبما يؤدي الى انعاش الاقتصاد العالمي والذي يعاني من مشكلات كبيرة ماتزال تنعكس سلبا على الاقتصاد الاميركي .

اميركا تعتقد ايضا ان التوافق مع حكومة عراقية تقودها واجهات سياسية ذات خلفيات عسكرية ، من شأنه ان يحقق نوعا من الترويض لايران الاسلامية ، باعتبار ان بعض هذه الجماعات التي تلتقي فقهيا مع ايران ، ستميل ( وبمرور الوقت ) الى مصالحها الوطنية وسترجح خيار الدولة على اي خيار آخر ، لاسيما وان العديد من هذه الجماعات اظهر براغماتية ومرونة في احداث معينة .

جانب مهم اخر يمكن ان تراهن عليه الولايات المتحدة هو ان تشكيل حكومة عراقية بقوة تلك الجماعات ، سوف يدفع ايران مرة اخرى نحو نقطة التقاء مع واشنطن في تحقيق توازنات المصالح في الساحتين العراقية والاقليمية .

وبحسب تجارب سابقة فأن ايران واميركا يتوافقان على عراق يدار فيه ( فائض القوة ) وفق معادلة متوازنه تمنع انفجاره اقليميا .

واعتقد كذلك ان جذب القوى المسلحة في العراق الى مساحة السياسة والمصالح هو نوع من ديبلوماسية ترويض القوة وتحويل خيار القوة ، الى قوة ناعمة تخدم السلام والاستقرار، بديلا عن خيار التصادم المكلف ماليا والباهض الثمن وغير المضمون في تحقيق الغايات النهائية ، فضلا عن تداعياته التدميرية .

وهنا اقتبس مما قالته رئيسة جهاز الاستخبارات الوطنية الاميركي (( لقد اثبتت التجارب ان تدخل الولايات المتحدة في اسقاط الانظمة كان مكلفا جدا ..))!!

ان اميركا التي ساعدت في ترسيخ النظام الديمقراطي في العراق ، من المؤكد انها سترضخ للتعامل مع حكومة عراقية تدار من قبل واجهات سياسية لديها فصائل واجنحة مسلحة باعتبار ان (110) هم خيار اغلبية الشعب العراقي الذي احتكم الى صندوق الاقتراع فأنتج خيار الشعب هذه الكتلة .

ولكن …هل كانت لاميركا تجارب مماثلة في التعامل مع جماعات مسلحة ومن ثم تأهلت تلك الجماعات لاداء دور سياسي ؟

• اميركا سبق لها وان قبلت بالصيغة الفرنسية في التعامل مع حزب الله في لبنان خلال الفترة من (1991/ 2023 ) وكانت العملية ناجحة الى حد ما حيث تعامل الغرب مع وجود كتلة اغلبية في البرلمان اللبناني يقودها حزب الله .
• اميركا تعاملت بايجابية مع حركة انصار الله واعتبرتها أمرا واقعا في اليمن منذ عام 2012 والى الآن .
• اميركا تعاملت بايجابية مع حركتي حزب العمال الكوردستاني وجماعة قسد وهما حركتان يساريتان قوميتان متشددتان .
• اميركا تتعامل بايجابية مع الفصائل المسلحة المتطرفة التي استولت على السلطة في دمشق، فهي منحتها الفرصة لكي تثبت انها قادرة على ادارة الدولة السورية .
• قبل ذلك اميركا كانت ايجابية حيال عدد من الجماعات الشيعية المسلحة المدعومة من ايران حينما كانت تحارب الارهاب في سورية منذ عام 2011 ولم يحدث اي تصادم بين الطرفين على الرغم من وجود 14 قاعدة عسكرية اميركية في سورية .
• وكانت اميركا تعاملت بايجابية والى اقصى حد مع حركة فتح المسلحة والمتهمة بسلسلة عمليات وصفتها واشنطن والغرب ب( الارهابية ) خلال عقد السبعينيات ، إلا ان اميركا والغرب عامة احتضن المفاوضات مع فتح وادت في النهاية الى ما يعرف ب ( اتفاقية أوسلو ) وبموجبها تحولت فتح الى دولة وصار لها العشرات من السفراء في اكثر من 100 دولة .

يبدو ان الفرصة متاحة امام قوى المقاومة وقوى التحرير ان تثبت انها بمستوى خيارات الشعب واللا تكون ارقاما مكملة وذيلية تابعة لاحزاب ولشخصيات شاخت وهرمت واوشكت على الافول والتلاشي وتسعى لكي تطيل بقائها بالاعتياش على القوى الثورية الشابة المنتخبة بارادة الشعب .