لماذا يمتلك العراق كل ما ينقص الآخرين؟!
كاظم سلمان ابورغيف ||

((العراق الأقوى في المنطقة)) القوّة الكامنة التي لم تُستثمر… ولماذا يمتلك العراق كل ما ينقص الآخرين؟!
في الشرق الأوسط، لا توجد دولة تمتلك عناصر القوّة كاملة وفق المعايير الجغرافية–الاقتصادية–الديموغرافية–التاريخية–الدينية سوى العراق.
ومع ذلك… يبقى “الأقوى بالقوّة لا بالفعل”، عملاقاً مُكبلاً بإرادة سياسية مشتتة، وموقعٍ جيوسياسي يتحوّل من نعمة إلى عبء، واقتصادٍ هائل بلا إدارة هائلة.
هذا المقال يفكّك عناصر القوة التي تتوزّع بين دول الجوار، لكن يجمعها في العراق دفعة واحدة، ثم يفسّر لماذا تتعطّل هذه القوّة، وكيف يمكن تحويلها إلى فعل.
أولاً: العراق يمتلك ما تفتقده دول الجوار… مجتمعاً وكاملاً
1. الجغرافيا: المركز الذي تصطف حوله الخرائط
العراق ليس دولة هامش، بل مركز توازن إجباري بين الخليج وتركيا وإيران والشام.
يمتلك:
بوابة الخليج ومنافذ بحرية مؤثرة.
عقدة الربط السككي والطرقي بين آسيا والعالم العربي.
موقعاً يصلح أن يكون ممراً رئيسياً لمشاريع القرن (ممر التنمية، طريق الحرير).
السعودية تمتلك السواحل، تركيا العلو، إيران التخوم…
العراق وحده يجمع الجغرافيا الثلاثية: الارتفاع + المنافذ + المساحات + الاتصال.
2. الاقتصاد: ثروة بحجم قارة تنتظر إرادة دولة
العراق يملك أغنى “سلة موارد” في المنطقة:
ثالث أكبر احتياطي نفطي عالمي.
احتياطي ضخم من الغاز غير المستغل.
أراضٍ زراعية تُعد من الأخصب في الشرق الأوسط.
معادن استراتيجية (فوسفات، كبريت، سيليكا، يورانيوم طبيعي).
بينما تمتلك كل دولة من دول الجوار مورداً واحداً، العراق يمتلك الموارد مجتمعة وبوفرة.
3. السكان: القوّة البشرية الأكثر توازناً
العراق يمتلك:
أكثر من 42 مليون نسمة.
شباباً بنسبة عالية قابلة للتحوّل إلى قاعدة إنتاجية وصناعية.
الخليج يعتمد على العمالة، تركيا تتجه للشيخوخة، إيران تتراجع ديموغرافياً…
العراق وحده يمتلك هرمًا سكانيّاً صاعداً يصنع الدول القويّة.
4. التاريخ والحضارة: عمق لا يُستنسخ
من سومر وبابل وآشور إلى الكوفة وبغداد…
إنه البلد الذي بدأ منه:
القانون
الكتابة
العلم
الدولة
الفلسفة
علوم الإسلام والمذاهب والمدارس الفكرية
هذا العمق الحضاري لا يمكن لأي دولة في المنطقة ادعاؤه أو منافسته.
5. القوّة الدينية: مركز الثقل الروحي للأمة
العراق محور الدين الإسلامي بطرفيه:
النجف الأشرف مركز المرجعية الأكبر.
كربلاء والزيارات المليونية.
سامراء والكاظمية وبغداد.
هذه القوة الناعمة تتجاوز قدرات أي دولة إقليمية أخرى، وتمنح العراق ثقلاً عالمياً فريداً.
6. القوّة العسكرية المحتملة
يمتلك العراق:
خبرات قتالية تراكمية لعقود.
قدرة بشرية على بناء منظومة دفاعية متطورة.
بيئة جغرافية قابلة لصياغة واحدة من أعقد الاستراتيجيات العسكرية.
هو جيش “قوي بالقابلية”… لكنه ضعيف بالفعل بسبب القرار لا بسبب الإمكان.
ثانياً: لماذا يتعطّل فعل هذه القوّة؟
1. تعدّد مراكز القرار
لا يمكن لقوّة أن تعمل حين يتقاسمها عشرات الفاعلين الداخليين والخارجيين.
2. الاقتصاد الريعي
الاعتماد على النفط جعل الدولة ضعيفة، بلا تنويع، بلا إنتاج، بلا رؤية.
3. تحويل الموقع من ميزة إلى ثغرة
بدل أن يكون العراق لاعباً، تحوّل إلى ملعب تتصارع عليه القوى.
4. البيروقراطية والفساد
ليس أخطر من الفساد المالي إلا الفساد الإداري الذي يقتل الدولة من الداخل.
5. غياب المشروع الوطني الجامع
لا استراتيجية، لا رؤية للهوية، لا تصور موحد للدولة.
ثالثاً: كيف ينتقل العراق من القوّة إلى الفعل؟
1. توحيد مركز القرار الوطني
الشرط الأول لقيام دولة قوية.
2. بناء اقتصاد إنتاجي
تحويل الغاز إلى ثروة، تفعيل الصناعة، دعم الزراعة، تأسيس صندوق سيادي، وإحياء “ممر التنمية”.
3. سياسة خارجية متوازنة
العراق ليس ساحة لأحد… بل يجب أن يكون جسراً بين الجميع.
4. إصلاح الدولة
الانتقال من المحاصصة إلى الكفاءة، من الأشخاص إلى المؤسسات.
5. مشروع وطني جامع
بناء هوية، تعليم، إعلام رصين… وصياغة وعي يضع العراق فوق الجميع.
الخاتمة: العراق… القوّة التي تنتظر لحظة انطلاقها
العراق ليس دولة تبحث عن قوّة؛
هو دولة ممتلئة بالقوّة تبحث عمّن يُحرّرها من التعطيل.
السؤال لم يعد:
هل يستطيع العراق أن يصبح الأقوى؟
بل:
متى يقرّر العراقيون أن يحوّلوا قوّتهم من طاقة خام إلى فعل يصنع التوازن الإقليمي؟




