الخميس - 11 يونيو 2026
منذ 7 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابورغيف ||

 

 

كلما اقتربت الانتخابات في العراق، عاد شبح سانت ليغو إلى الواجهة؛ ليس كنظام انتخابي، بل كأداة قهر سياسي صُمِّمت ببرود هندسي لتطويع المشهد وإعادة تشكيله بما يخدم أهل النفوذ وحدهم.

هذا القانون ليس حياديًا، ولا بريئًا، ولا “تقنيًا” كما يروّج البعض.
إنه قانون أكبر عملية إعادة تدوير للسلطة في العراق منذ 2005، يُعيد إنتاج الوجوه نفسها، ويغلق الباب على أي محاولة تغيير حقيقي.

أولًا: سانت ليغو… الآلة التي تبتلع أصوات الناس

النسخة المعدَّلة من سانت ليغو (1.7) ليست نظامًا انتخابيًا، بل بوّابة مغلقة بعناية في وجه المستقلين والحركات الناشئة.
القانون يبدأ بالرقم 1.7، لكنه ينتهي عند نتيجة واحدة:

> إما أن تكون حزبًا كبيرًا… أو لا تكون.

الأصوات التي لا تبلغ العتبة العالية تُرمى على قارعة النظام، ثم تُعاد بصيغة “مقاعد مجانية” للكبار الذين جلسوا يراقبون بصمت، ثم حصدوا كل شيء.

ثانيًا: لماذا هو جائر؟

لأنه قانون يفرح به من يملك ماكينة انتخابية، ويعاقب من يملك جمهورًا بلا تنظيم.
لأنه قانون يعتبر 50 ألف صوت صغيرة إذا لم تتجاوز القسمة الأولى، ويعتبر 10 آلاف صوت كبيرة إذا جاءت من حزب ضخم.

لأنه ببساطة…
يزوّر إرادة الناس دون أن يلمس ورقة واحدة من صناديق الاقتراع.

ثالثًا: من استفاد؟ ومن دُهس تحت عجلاته؟

المستفيدون:

الأحزاب الثقيلة

المتنفذون القابضون على المال والإعلام

التحالفات التي تعرف كيف توزّع الأرقام قبل توزيع الشعارات

الضحايا:

المستقلون

الشباب

القوى الناشئة

الناخب الذي صوّت ولم يجد صوته في النتيجة

إنه قانون صُمّم لتبقى “الطبقة السياسية الأصلية” حيّة… ويُجهض أي جيل سياسي جديد.

رابعًا: لماذا أراده الكبار؟

لأن الكبار في العراق لا يحاربون خصومهم… بل يحاربون فكرة وجود خصوم أصلًا.
سانت ليغو يمنحهم:

استقرارًا سلطويًا لا علاقة له بالديمقراطية

برلمانًا مطوّعًا بلا مفاجآت

كتلة أكبر جاهزة مسبقًا قبل إعلان النتائج

تمديدًا تلقائيًا لعمر الهيمنة

إنه القانون الذي يجعل “التداول السلمي للسلطة” نكتة ثقيلة.

خامسًا: السوداني… والخديعة الحسابية

دخل محمد شياع السوداني إلى الانتخابات متحالفًا، لكن بلا تحصين، وبلا قراءة دقيقة لقانون يلتهم أصوات الحلفاء قبل أصوات الخصوم.

ظنّ أن الشعبية تكفي، وأن التنظيم يعوّض، وأن التحالفات ستحمله إلى برلمان متوازن.
لكن سانت ليغو لا يتحرك بالعواطف.
إنه قانون بلا قلب…

> يحسب ولا يرحم.

ولهذا وجد السوداني نفسه بعد النتائج أمام مشهد لا يشبه توقعاته:
مقاعد الحجم الأكبر ليست مضمونة، ومكاسب التحالف تتبخر، وحلفاء الأمس لا قيمة لهم في معادلة القسمة على 1.7.

سادسًا: الـ 45 يومًا التي ستقرر مصير رجل… ومصير ولاية

مرحلة الخمسة والأربعين يومًا التي تلي إعلان النتائج ليست “مهلة دستورية بريئة”، بل مخاض سياسي خشن ستُحسم فيه:

1. إعادة تشكيل التحالفات من الصفر

2. من سيفرض الكتلة الأكبر في لحظة الحقيقة

3. من سيجلس على كرسي رئاسة الوزراء

4. ومن ستُسحق أحلامه في سبيل المقاعد

السوداني يتجه إلى 45 يومًا ملغومة، لا مجال فيها للخطأ، لأن كل مقعد خسره بسبب سانت ليغو سيعود الآن ليسأله:
هل تملك ما يكفي لتجديد ولايتك؟
هل تملك أصدقاءَ رقم… أم أصدقاءَ صورة فقط؟

التحالفات سوف تُعاد كتابتها، والولاءات ستتقلّب، والضغط سيختبر أعصاب الجميع.

الخلاصة:

سانت ليغو ليس مجرد قانون…
إنه ميزان قوة بيد الكبار، يرفع من يريدون، ويحطّ من يريدون، ويقرر نيابة عن الناس من يجلس في البرلمان ومن يُطرد من اللعبة.

وفي عراقٍ تتزاحم فيه القوى داخل عنق زجاجة واحدة، يصبح القانون الأكثر جَوْرًا… هو الأداة الأكثر بقاءً.

أما السوداني، فهو مقبلٌ على اختبار سياسي لا يجامل:
إما أن ينتصر بالأرقام… أو تسقطه الأرقام .