ليس كلُّ صعودٍ خيرًا.. زياد الجنابي ومحمد الحلبوسي أنموذجًا لانهيار الوعي السياسي..!
كاظم سلمان ابورغيف ||

في المشهد السياسي العراقي، تتكرر ظاهرة خطيرة تكاد تكون قاعدة لا استثناء: بلوغ المناصب قبل بلوغ الوعي، وصعود أشخاص إلى المواقع التشريعية والقيادية دون امتلاك الحدّ الأدنى من فهم الدور أو أهلية التمثيل. وهؤلاء ـ مهما لمعوا إعلاميًا أو اشتدت صراخاتهم ـ لا يضيفون لمكوّنهم وزنًا، بل يتحولون سريعًا إلى أدوات هدم داخل بيتهم قبل أن يكونوا خصومًا لغيرهم.
صعود بلا مشروع… قيادة بلا بوصلة
حين يتقدم إلى الواجهة من يجهل طبيعة موقعه، ولا يملك رؤية سياسية أو أخلاقية، يتحول المنصب إلى عبء على أهله قبل أن يكون مسؤولية على صاحبه.
وهذا هو مكمن الخطر في نماذج مثل زياد الجنابي ومحمد الحلبوسي؛ فالصعود السريع غير المؤسّس لا ينتج قادة، بل يصنع واجهات هشة، مشغولة بالمناكفات والمصالح الشخصية أكثر من انشغالها بمصير جمهورها.
تهديد مباشر لدور المكوّن السني
المكوّن السني في العراق اليوم يعيش لحظة دقيقة. فبدل أن تتقدم قياداته نحو ترميم الثقة وتعميق حضورهم الوطني، نرى بعض ممثليه يجرّونه إلى هوامش الصراع، ويهدرون ما تبقى من رصيد سياسي يمكن البناء عليه.
إن استمرار هذا النمط من “الزعامات” سيقود ـ عاجلًا أو آجلًا ـ إلى انتهاء التأثير الحقيقي للسنة في القرار السياسي، لأن الدول لا تُدار بالمزايدات، بل برجال دولة يعرفون حجمهم ومسؤولياتهم.
نتائج طبيعية لسلوكيات مريضة
قد يبدو هذا الانحدار مفاجئًا للبعض، لكنه في الحقيقة امتداد طبيعي لتراكمات داخل الشارع السني نفسه.
فقد سمح جزء من الجمهور بصوت الطائفية أن يتقدم، وبخطاب الكراهية أن يعلو، وبثقافة التخندق أن تحكم مواقفه. وحين يغيب الوعي الوطني، يختفي معه القائد الوطني، ويظهر مكانه من يتقن لغة التحريض لا لغة الدولة.
بالمقابل… كان يمكن أن يكون الطريق مختلفًا
اللغة التي جرى بها التعامل مع الشيعة، والحملات التي روّجت ضدهم لسنوات، تجاهلت حقيقة ثابتة:
أن الشريحة الأكثر بذلًا وضغطًا وتحمّلًا في سبيل استقرار العراق ـ بما فيه المناطق السنية ـ هي الشريحة الشيعية نفسها.
لكن عندما يُعمي التحريض البصيرة، يصبح من الطبيعي أن يظهر على السطح من يعبّر عن الغضب لا عن العقل.
الصعود الحقيقي هو صعود الوعي
ليس كل صعود خيرًا.
فبعض الصعود بداية سقوط، وبعض الوجوه التي تتقدم للواجهة قد تكون عنوانًا لمرحلة انحدار لا لمرحلة نهوض.
وما لم يراجع المكوّن السني خياراته بعمق، ويطالب بقيادات تمتلك عقل الدولة لا عقل العشيرة، فسيدفع ثمن هذا الاختيار سنينًا طويلة، وربما يخرج تمامًا من دائرة التأثير السياسي الفعلي .




