الخميس - 11 يونيو 2026

بين فيهم ولهم: سرّ الحرف في صناعة الأمة وفلسفة البعثة..!

منذ 7 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابورغيف ||

 

 

يظنّ البعض أن تبادل حرف جرّ بآخر في القرآن أمرٌ لغويّ عابر، لكنّ مدرسة أهل البيت(ع) ـ كما تكشف تفاسير الميزان والأمثل وتسنيم ـ تُظهر أن اختيار القرآن بين «فيهم» و «لهم» ليس مجرد أسلوب، بل تحديدٌ لموقع النبي في الأمة، ووظيفة الرسالة، وعمق حضورها التربوي.

أولًا: «فيهم»… حين يكون النبيّ جزءًا من النسيج لا مجرد رسول

يقول تعالى:

﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾

هنا «فيهم» ليست ظرفًا مكانيًا فقط، بل كما يشرح الطباطبائي في الميزان:

1. حضور تكويني داخل الأمة.

2. جزء من هويّتها وتاريخها ولغتها وثقافتها.

3. عملية تربية مباشرة: يتلو، يزكّي، يعلّم… وكلّها تحتاج حضورًا حيًّا، لا مجرّد إرسال.

ويضيف مكارم الشيرازي في الأمثل:
«بعث فيهم» تعني أن النبيّ خرج من داخل المجتمع، لا غريبًا عنه، ليكون مؤثّرًا فيهم بعمق.

أما الجوادي الآملي في تسنيم فيرى أن «فيهم» دالّة على أن البعثة تنمو من داخل الوجدان الجمعي، لا من خارج السياق التاريخي للأمة.

ثانيًا: «لهم»… حين تكون الرسالة غايةً وإقامة حجة

في آياتٍ أخرى يقول تعالى:

﴿ثُمَّ بَعَثْنَا لَهُمْ مُوسَى﴾

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾

﴿أَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾

وهنا يبيّن المفسّرون أن «لهم»:

1. تتعلّق بالغاية التشريعية: البلاغ، الإنذار، إقامة الحجة.

2. لا تشير إلى حضور تكويني، بل إلى اتجاه الرسالة وهدفها.

3. تُستخدم مع جماعاتٍ مرسَل إليها، لا جماعات يُنشئ النبي بينها أمة جديدة.

ثالثًا: لماذا «فيهم» للمؤمنين والأميين، و«لهم» للأمم الأخرى؟

١. «فيهم»: حين يكون المجتمع مقبلًا على إعادة صياغة نفسه

جاءت «فيهم» مع:

المؤمنين

الأميين (الذين شكّلوا نواة الأمة)

لأن البعثة هنا ليست مجرد تبليغ، بل صناعة أمة وتنشئة جيل جديد يشهد التزكية والتعليم مباشرةً من الرسول.

٢. «لهم»: حين لا تكون الحاجة بيان الحضور بل بيان الحجة

تُستخدم «لهم» حين يكون الهدف:

إرسال رسول لأقوام سابقة،

أو جماعات لا يُراد إبراز حضوره بينهم،

أو خطابًا تشريعيًا عامًا.

فهي علاقة بلاغ لا علاقة تكوين.

رابعًا: هل «فيهم» للمؤمنين و«لهم» للكافرين؟

تؤكّد تفاسير مدرسة أهل البيت(ع) أن المسألة ليست تصنيفًا عقديًا، بل تركيز دلالي:

«فيهم» تُستخدم حيث يوجد حضور، تشكّل جماعي، وتفاعلٌ حيّ.

«لهم» تُستخدم حيث توجد غاية رسالية دون الحاجة لإبراز الاندماج.

وبالتالي فالفارق وظيفي لا ديني.

خامسًا: خلاصة موجزة ببيان محكم

«فيهم» = حضور + اندماج + صناعة أمة.

النبي واحد منهم، يعيش بينهم، يُربّيهم، يزكّيهم، يعلّمهم… والحرف هنا جزء من معمار الرسالة.

«لهم» = رسالة + غاية + إقامة حجة.

الخطاب متوجّه لهم، لا متكوّن في داخلهم.

كلمة أخيرة

بهذا التفصيل يتّضح أن القرآن لا ينتقي حروفه اعتباطًا، بل يجعل الحرف شاهدًا على عمق البعثة المحمدية:

بعثة داخل الأمة («فيهم»): لتأسيسها وبنائها.

وبعثة موجّهة للأمم («لهم»): لبيان الرسالة والحجة.

فلا تتبدّل «فيهم» إلى «لهم» إلا بتبدّل وظيفة النبي في الآية.