الجذور الشيعية في بغداد: من الشيخ المفيد وما قبله إلى يومنا هذا.. رسالة للحلبوسي والخنجر ومن بمعيتهم..!
د. أحمد الخاقاني ||

في أحد أيام عام ٢٠٢٢، وأثناء دراستي للدكتوراه في جامعة بغداد – كلية العلوم الإسلامية، تحدّث أحد الزملاء من السنّة قائلاً إن بغداد سُنّيّة منذ تأسيسها، وإن التغيير الكبير فيها حدث بعد سقوط نظام البعث ودخول الشيعة إليها.
فقلت له بهدوء: أنت متوهّم.
قدمت له الأدلّة من كتب مؤرّخي أهل السنّة أنفسهم، الذين وصفوا الشيخ المفيد أحد أعلام الشيعة في القرن الرابع الهجري بما يدلّ على المكانة العظيمة التي كان يتمتّع بها هو وأتباعه في بغداد.
وقد قال احد المؤرّخين السني عفيف الدين اليافعي (ت 768 هـ) في كتابه مرآة الجنان وعبرة اليقظان، المجلد الرابع، تقريبا ص 56:
(في سنة 413 هـ توفّي عالم الشيعة وإمام الرافضة، صاحب التصانيف الكثيرة، الشيخ المفيد ابن المعلّم، البارع في الكلام والفقه والجدل، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية. وكان يوم وفاته مشهورا، وشيّعه ثمانون ألفًا من الرافضة والشيعة، وأراح الله منه أهل السنة والجماعة).
هذه الشهادة من مؤرخ سني تكشف بوضوح عن عمق الوجود الشيعي في بغداد في تلك الفترة، إذ لم يكن من الممكن أن يُشيَّع بهذه الحشود إلا رجل ينتمي إلى بيئة يغلب عليها المذهب الشيعي.
ولم يبدأ الحضور الشيعي في بغداد بزمان الشيخ المفيد، بل هو أقدم من ذلك بكثير. فمنذ أن تولّى السفير الأول للإمام المهدي (عج)، عثمان بن سعيد العمري، السفارة سنة 260 هـ، كانت بغداد مقرا لرجالات الشيعة وموئلا لفقهائهم وتجارهم ومواليهم.
بل قبل هذا التاريخ، منذ أن دُفن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام في مقبرة قريش سنة 183 هـ، أصبحت بغداد قبلةً لشيعة أهل البيت، يؤمّونها لزيارة قبره الشريف ويسكنوها لوجود قبور أئمتهم، وتزايد عددهم أكثر بعد دفن ولده الإمام محمد الجواد عليه السلام فيها.
ومع مرور القرون، ظلّ الطابع الشيعي لبغداد راسخا في وجدانها وسكّانها وثقافتها، رغم محاولات التغيير القسري التي جرت في فترات لاحقة. ففي عهد النظام البعثي الكافر، استُحدثت مناطق في الكرخ وأُسكن فيها السنّة عمدا، في محاولة لإضفاء طابعٍ مصطنعٍ يوهم بأن بغداد سنّيّة. لكن التاريخ والوثائق والذاكرة الشعبية تكشف أن بغداد ذات غالبية شيعية منذ أكثر من اثني عشر قرنا، وأنها كانت وما زالت عاصمة الولاء لأهل البيت عليهم السلام.
فبغداد ليست وليدة الأمس، ولا تُغَيَّر بهتافٍ أو سياسةٍ عابرة؛ فهي بغداد محل قبور الأئمة الكاظم والجواد عليهما السلام وعلماء الطائفة المحقة المفيد والمرتضى والطوسي، وستبقى بغداد الشيعة والولاء والكرامة.
أحمد الخاقاني




