الخميس - 11 يونيو 2026
منذ 7 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابو رغيف ||

 

 

 

بعد أن انطفأت نار التشكيك بأمكانية إجراء الإنتخابات ونزاهتها، وأثبتت صناديق الاقتراع أن القرار عراقي خالص،
#سيبدأ — ككل مرة — مرضى النفوس بتصديق أوهام أعداء الوطن، مروّجين لأسطوانة #الخارج وإملاءاته… وهنا وجب التذكير.

بين الحقيقة والضجيج: رئاسة الوزراء… قرار عراقي في سوق الأوهام الدولية

كثُرَ اللغو واشتدّ الصخب كلّما اقترب العراق من لحظة تشكيل حكومته. تنطلق التحليلات والهمسات والاتهامات من كل صوب: #مطبوخة إيرانية، #محسومة أمريكياً، مرشّح مفروض من الخارج… حتى غدا هذا القول المكرور أشبه بـ”حديث زور متواتر”، يردّده بعضهم وكأنه وحيٌ لا يُراجع.

لكن من يتتبع تاريخ تشكيل الحكومات العراقية منذ سقوط الدكتاتورية، يدرك أن القرار كان في معظمه نابعاً من الداخل، من صراعات البيت السياسي العراقي نفسه، لا من إملاءات الخارج، وإن كانت العواصم الكبرى تبدي رأياً، أو تلوّح بموقف، كما تفعل مع أي دولة في العالم.

فأول رئيس وزراء في عراق ما بعد 2003، إياد علاوي، لم يُنصّب بأمر من البيت الأبيض أو من طهران، بل بقرار من مجلس الحكم وبإشراف الأمم المتحدة والحاكم المدني حينها. نعم، كانت أمريكا قوة احتلال، لكنها لم تفرض من بعد علاوي أحداً، لا في اختيار إبراهيم الجعفري ولا في خلافته بالمالكي. كانت صناديق الاقتراع والتحالفات داخل البرلمان هي الحاكمة.

الائتلاف العراقي الموحّد اختار الجعفري في انتخابات داخلية شارك فيها أكثر من مئة نائب، ثم استبدله لاحقاً بالمالكي نتيجة خلافات داخلية عراقية بحتة بين شركاء الوطن، لا بين وكلاء الخارج. أما المالكي نفسه فاستمر بدورتين متتاليتين رغم اعتراضات أمريكية متكرّرة، فهل كانت واشنطن عاجزة؟ أم أن القرار لم يكن بيدها أصلاً؟

ثم جاء حيدر العبادي باتفاق شيعي داخلي لم تكن إيران راضية عنه بالكامل، وجاء بعده عادل عبد المهدي بترشيح وطني توافقي بين بدر والتيار الصدري، لا بين واشنطن وطهران. وعندما ضعف الغطاء السياسي، لم تسقط حكومته بقرار خارجي، بل بعجز داخلي وزهدٍ شخصيٍّ بالمنصب.

أما مصطفى الكاظمي، الذي يروّج البعض أنه “خيار أمريكي بحت”، فالحقيقة أن التحالف الشيعي هو من صاغ له خارطة الطريق، وحدّد له خطوط التوازن، وألزمه بعدم الترشّح للانتخابات اللاحقة. وحين انتهت حكومته، عادت الكلمة إلى القوى الوطنية، فاختارت محمد شياع السوداني بقرار موحّد من الإطار التنسيقي، ليؤكد مجدداً أن رئاسة الوزراء تُحسم في بغداد، لا في واشنطن أو طهران.

إبداء الرأي الخارجي أمر طبيعي، فهو من صميم العلاقات بين الدول، لكن الفرض والإملاء وهمٌ سياسي يصنعه الإعلام أو الخصوم لتبرير إخفاقاتهم. فإيران تبدي مخاوفها بحكم الجوار، وأمريكا تراقب مصالحها بوصفها قوة عظمى، لكن لا هذه ولا تلك تملك حق النقض على الإرادة العراقية.

إن الشعب العراقي اليوم، وقد خاض تجربة انتخابية متقدمة وواعية، لم يعد مستعداً لبيع صوته أو وعيه في سوق الدعاية السوداء. القرار وطني، والسيادة عراقية، والخبرة السياسية رسّخت قاعدة ذهبية:
أن من يصنع الحكومة هو العراقي، ومن يسقطها هو العراقي، ومن يقرر مصيرها هو صوت الشعب وصبره وصندوقه.

أما الخارج، فيبقى — كما كان — متفرجاً يعلّق من بعيد، يحسب أنه يمسك بالخيوط، بينما الخيوط كلّها قد انتقلت إلى يد الوطن .