الأمور بالتجربة..!
إيليا إمامي ||

يقول المولى أمير المؤمنين عليه السلام (الأمور بالتجربة)
وقد علمتنا التجارب دروساً كثيرة في عالم الألاعيب السياسية، خصوصاً من القوى الغربية التي يجب أن نعترف أنها متقدمة بفارق كبير على أذكى أذكياء قومنا، إلا من رحم ربي.
أرى بعض المحترمين فرحين بفوز هذا الشاب، ولا أدري سبب الاحتفال!!
حتى كتب بعضهم: (( برزت الممدانية كلها إلى الترامبية كلها)) مستدعياً أقدس لحظة في تاريخنا (برز الإسلام كله إلى الشرك كله) ليجعلها تشبيها واقتباساً للحظة شعوره بنصر ممداني!!
هل هي نشوة مستعارة لنصر وهمي، يخفف عن كاهل أمة قتلها الشعور بالضياع والعجز والإحباط ؟
هل هي لحظة خداع للنفس، تعوض ألم خسائر السنة الماضية، وتقول لنا -ولو كذباً-:
أن الشيعة بخير…
ولم يخسروا الكثير…
وما زالوا أقوياء أمام أمريكا…
لأن أحد أبنائهم صار عمدة رغم أنف ترامب والصهاينة؟
هل هكذا تقاس المعادلة لنقول أننا بخير؟!
كلا أيها السادة… كلا!
لسنا بخير… إذا كنا من الآن نربي أولادنا بأن عنوان الشيعي أهم من حقيقة التشيع !!
لسنا بخير … إذا كنا نقبل بفوز سياسي، متناسين خسارتنا الأخلاقية !!
لسنا بخير… إذا نظر الله إلى قلوبنا فوجد فرحة بفوز (الفاسق) بحجة أن الآخر (أفسق)!!
لسنا بخير… إذا وجدنا في أنفسنا نفوراً من استخدام كلمات القرآن (أعني كلمة فاسق) وصار الكلام أعلاه يعبر عن عقلية رجعية متخلفة منغلقة !!
لسنا بخير … إذا استبدلنا التقية بالبراغماتية !! ونسينا (ديني ودين آبائي)!!
لسنا بخير… إن كانت الواقعية السياسية، والنظر لمصالح الطائفة، تعني الاستقواء بشخص يرقص للمثليين، ويعد بإنفاق المليارت للتحول الجنسي، وينشر صور زوجته شبه عارية ليثبت أنه (منفتح) وليس مسلم راديكالي!!
علمنا أن الله يؤيد الدين بالرجل الفاسق… ولكنه شأنه عز وجل… ولم يكلفنا بتأييد الفاسق عسى أن يؤيد الدين !!
نعم… (نصف ولدنا) زهران فاز، وهو بلا شك صفعة للصهاينة، لكن هل هم عدونا الوحيد؟
أليس تغيير خلق الله، الذي هدد به الشيطان في صريح القرآن، عدونا أيضاً؟
أليست رسالة أمريكا لكل متدين (لكي تعبر وتصل، كن مثل ممداني) هي عدونا الحقيقي الذي ينتقص من ديننا؟
وأقول (نصف ولدنا) لأنه كما يعلم الجميع، من أم هندوسية وأب شيعي، فهو زواج محرم من الأساس…
ثم دعني أسألك:
الشيعة الخوجة الملتزمون، الذين طالما دعموا مشاريع الطائفة في العراق وإيران وكل العالم الشيعي، وضحوا بالكثير من وقتهم وجهدهم لجمع الأموال وتقويم المشاريع الدينية، دون أن يعلم عنهم أحد، ولم يسمع بهم أحد، ولم ينتظروا شكراً من أحد، إلا من الله تعالى يوم اللقاء…
ثم يأتي شخص خالع لرداء التشيع من الأساس، وليس له صلة بالتشيعة إلا التقدير الذي شاء أن يولد من أصول الخوجة… ثم تركهم ولم يسأل عنهم في حياته.
نأتي نحن (المتدينون) ونهلل لهذا الناسي لقومه لأنه حقق نصراً سياسياً سرعان ما سينتهي قريباً… وننسى الذين صبروا وتعبوا من إخوته وحققوا عشرات الانتصارات الأخلاقية؟!
أي رسالة لشباب الشيعة (من الخوجة وغيرهم) نرسلها؟ أن الفوز بمنصب سياسي ولو بثمن الخروج عن ثوابت الدين، أهم من التزامك الديني؟
هذا إعلان صريح بأننا صرنا (طائفة براغماتية أولويتها السلطة) وعندها لن يبقى معنى لعقيدة الانتظار، والمهمة المقدسة الموكلة للشيعة بالحفاظ على نقاء التشيع وإرث الآل عليهم السلام، حتى الرمق الأخير، وحتى الظهور المبارك.
لا أعرف هل فهم القارئ الكريم مقصودي أم لا، وهل عرف لماذا أنا أساساً مهتم بهذه التفصيلة؟
وختاماً، لقد جربت النقاش لآلاف المرات في حياتي، ووصلت إلى قناعة وصلها الكثيرون معي ومن قبلي، أنك أحياناً تصل إلى نهاية المطاف ولا يقتنع المقابل برؤيتك، فتترك الدور للأيام لتطبخ الفكرة وتريه حقيقتها.
شخص ديمقراطي مدعوم من حركة الووك… مساند لها صراحة … ربيب بيرني ساندرز وميرا ناير … يعمل تحت حكم الحاكمة كاثي هوكول… لا يستطيع الشخص المراقب لعلاقته بالله بأي حال من الأحوال أن يشعر ولو بأدنى درجات الارتياح القلبي لفوزه، فضلاً عن مدحه وتمجيد انتصاره !! متناسين قول المصطفى صلى الله عليه وآله (إذا مُدح الفاجر اهتز العرش وغضب الرب) !!
عموماً، أعتقد أن القراءة السياسية الواعية للأحداث، تذكرنا بما قاله الصحفي الأمريكي (رايان غريم Ryan Graham ) قبل فوز ممداني بشهر تقريباً: أعتقد أنه -زهران ممداني- تم تصنيعه في مختبر، فهو أبن محمود ممداني وميرا ناير، وأعتقد أنه تلقى تعليمه بشكل ممتاز جداً وجاء في ظرف وخطاب قريب من الشباب، ولذا فهو قادر على الفوز، ولكنه أمر لن يتكرر في مدينة مثل نيويورك، إنه حالة خاصة).
أترك الباقي للأيام، حيث ستختفي نشوة هذا النصر الوهمي تحت وطأة الركود، وينكشف لبعض البسطاء منا أن التحمس لمثل هذه الأمور في العالم لا يقدم ولا يؤخر بالنسبة لوضع الشيعة، وعندها سيعرفون أن الأمور بالتجربة.




