من غرس في قلب الإنسان أولًا… الفطرة أم الدين؟!
كاظم سلمان أبورغيف ||

عندما نتأمل في النفس البشرية، يبدو أن كل إنسان يولد مهيأً للحق والخير، وأن قلبه يحمل بصمة إلهية لا تمحوها عوامل الزمن أو الظروف. هذه البصمة هي ما يسميه أهل البيت عليهم السلام الفطرة، ذلك الميل الطبيعي للحق، والحب للعدل، والنفور من الظلم والباطل.
لكن السؤال الكبير: إذا كانت الفطرة موجودة، فما دور الدين؟ ولماذا جاءت الرسالات السماوية، والشرائع، والتعليمات الدينية؟ وهل تأتي قبل أن يعرف الإنسان الخير والحق، أم بعد أن يغرس الله في قلبه الميل الأول نحو الصواب؟
حسب القرآن الكريم ومنهج أهل البيت، الفطرة هي الأصل، والدين هو المنهاج. الله غرس في الإنسان ميلًا فطريًا نحو الحق، وابتعاده عن الباطل، وجعل له قدرة على التمييز بين الخير والشر. أما الدين فهو المنهج العملي الذي يحفظ هذه الفطرة، ويصقلها، ويمنع انحرافها بفعل الظروف والهوى. قال الإمام علي عليه السلام:
«بعث الله الرسل ليذكّروا الناس بفطرتهم ويقوّوا ميلها إلى الحق».
هنا يكمن السر العظيم: الفطرة تعطي الإنسان قدرة على التمييز، ولكنها تحتاج إلى الدين ليغذيها ويثبتها. فبدون الدين، قد تضيع هذه الفطرة بين الأهواء والضغوط الاجتماعية. وبدون الفطرة، يصبح الدين مجرد مجموعة قوانين جامدة لا تلمس قلب الإنسان ولا توجهه نحو الخير.
إذن، كيف يوفق الإنسان بين فطرته وتعاليم دينه؟ الجواب يكمن في مراجعة الذات والتأمل في النفس، ثم مطابقة التعاليم الدينية للفطرة الطبيعية. إذا لاحظ الإنسان أن تعاليم الدين تقوده إلى الرحمة، والعدل، والصدق، وتطمئن قلبه، فهو على الطريق الصحيح. وإذا لاحظ صراعًا داخليًا دائمًا بين التعليم الديني وفطرته، فهذا مؤشر على خلل أو تحريف يحتاج إلى تدقيق وفهم أعمق.
وهنا يأتي دور أهل البيت عليهم السلام كمرجع للتفسير والتوضيح، إذ يعلمون الإنسان كيف يميّز الدين الحق من الدين المشوه، وكيف يوازن بين ما غرسته فطرته وما يقدمه له الدين من منهج وإرشاد. قال الإمام الصادق عليه السلام:
«الدين الحق هو ما يوفق فطرة الله في قلبك وعقلك، وما يخالفه فهو دين مشوه».
باختصار، الفطرة هي الأصل الأولي في قلب الإنسان، والدين هو الحامي والمكمل لها. وللوصول إلى حياة صالحة ومتوازنة، يجب أن يكون الإنسان واعيًا لهذه الثنائية: أن يتحقق من أن تعاليم دينه تتوافق مع فطرته، وأن يطبقها ليزكي قلبه وعقله وروحه. وعندها فقط، يستطيع الإنسان أن ينجو من الزلل، ويعيش حياة متوافقة مع إرادة الله، حياة لا تفرق بين الحق والفطرة، بل تجمعهما في تناغم كامل.




