💎جواهر عَلَويَّةٌ: مَنْ قَصَّرَ عَنْ أَحْكامِ الْحُرِّيَّةِ أُعيدَ إِلى الرِّقِّ..!
✍ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

📢 رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “مَنْ قَصَّرَ عَنْ أَحْكامِ الْحُرِّيَّةِ أُعيدَ إِلى الرِّقِّ”
في هذه الجوهرة الكريمة يقدِّم لنا الإمامُ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) رؤيةَ الإسلام للحرية، هذه القضية التي تُعَدُّ من أكثر القضايا إلحاحًا في الفكر الإنساني عبر العصور. يقدِّمها الإمام (ع) ممارسةً عمليةً مسؤولة، فالإنسان كائنٌ خلقه الله حرًّا ومسؤولًا في الوقت نفسه، وهنا تكمن كرامةُ الإنسان وفضيلتُه على سائر المخلوقات.
يرسم الإمام (ع) معادلةً دقيقةً في هذا المضمار، مفادُها أن تهاونَ الإنسان في أحكام الحرية يؤدّي به إلى الرِّقِّ والعبودية، وأن أحكام الحرية هي الضوابط الأخلاقية والالتزاماتُ الذاتية التي تضمن للإنسان ممارسةَ حريته بمسؤوليةٍ ذاتيةٍ وإرادةٍ واعية، فالحريّة في الإسلام ليست فوضى، ولا تحررًا مطلقًا، بل هي حريةٌ مسؤولةٌ منضبطةٌ بضوابط الشريعة والقيم الأخلاقية، تشمل هذه الضوابطَ الالتزامُ بالمبادئ الأخلاقية، واحترامُ حقوق الآخرين، ومراعاةُ المصالح العامة، والتقيّدُ بالأحكام الشرعية التي تحفظ التوازن في المجتمع الإنساني.
أما الرِّقُّ – أي العبودية – فلا يقتصر على معناه التاريخي المتمثِّل في استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، بل يتسع ليشمل كلَّ أشكال العبودية المعاصرة. فمن يفرِّط في أحكام حريته يعود إلى عبودية الأهواء والشهوات، وعبوديةِ الطمع والجشع، وعبوديةِ التقاليد البالية، وعبوديةِ الخوف والتردّد، وعبوديةِ الأنظمة الفاسدة الطاغية، وعبوديةِ التبعية الثقافية. فالاستسلام لهذه الأنواع من العبودية يمثِّل خروجًا عن الفطرة الإنسانية السليمة،
يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): “لا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرًّا”
ويؤكّد القرآن الكريم أن الحرية أصلٌ في وجود الإنسان، وضرورةٌ من ضرورات حياته الكريمة،
قال تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿البقرة:256﴾
فالدين ليس من الأمور التي تُفرَض بالإكراه والإجبار، ولا سيّما مع ما توافر من الدلائل الواضحة والمعجزات البيّنة التي ميّزت طريقَ الحقّ من طريق الباطل. إن الدين الذي يخاطب روحَ الإنسان وفكرَه مبنيٌّ على الإيمان اليقيني، فلا سبيل إليه إلا طريقُ المنطق والاستدلال.
الدينُ في جوهره جذوةٌ من الحقّ تسكن قلبَ المؤمن وضميرَه، فتكون النورَ الهادي له، والقوةَ الموجِّهة لأفعاله وتصرفاته. ومن هنا كان الدينُ عقيدةً ينعقد عليها القلب، فلا يعرف أحدٌ كُنْهَ ما انطوى عليه القلبُ من الإيمان؛ إنه سرٌّ بين العبد وربّه، لا سبيل لأحدٍ إليه، ولا سلطان لمخلوقٍ عليه. ومن هنا أيضًا لم يكن دينًا ذلك الذي يُفرَض على الإنسان قسرًا من غير اقتناعٍ أو رضًى.
ولهذا كانت دعواتُ الرسل إلى دين الله محمَّلةً بالشواهد والآيات التي تشهد بصدقها، وتُحمل إلى الناس الهدى والنور، ليكون الإيمانُ عن نظرٍ واقتناع.
وقد أكَّد رسولُ الله (ص) والأئمّةُ الأطهار (ع) مبدأَ الحرية هذا. يقول الإمامُ أميرُ المؤمنين (ع): “أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ آدَمَ لَمْ يَلِدْ عَبْدًا وَلَا أَمَةً، وَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَحْرَارٌ”.
الحرية في الإسلام تمثّل تحرّرًا من عبودية غير الله، فهي عبوديةٌ واحدةٌ لله تعالى تتحقق معها الحريةُ من كل عبوديات البشر. وهذا المفهوم يجعل الحرية مسؤوليةً أمام الله، وأمام الضمير، وأمام الكرامة الشخصية قبل أن تكون حقًّا. وهي حريةٌ مقيّدةٌ بضوابط الشرع والقيم الأخلاقية.
يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): *”الْعَبْدُ حُرٌّ مَا قَنِعَ، وَالْحُرُّ عَبْدٌ مَا طَمِعَ”*.
مما يؤكد أن التحرر الحقيقي يبدأ من الداخل، من خلال السيطرة على الشهوات والرغبات.
أما الحرية في الفكر الغربي، فغالبًا ما تُصوَّر على أنها حقّ الفرد في اتخاذ قراراته الشخصية بعيدًا عن تدخّل الدولة أو أي سلطةٍ أخرى، ما لم يضرّ بالآخرين. ويركّز هذا المفهوم على الاستقلالية الفردية، ويجعل معيارَ الضَّرر هو الحدَّ الفاصل بين المشروع والممنوع، من غير مرجعيةٍ أخلاقيةٍ مطلقةٍ في كثير من الأحيان.
وفي عالمنا اليوم، حيث تتصارع المفاهيمُ وتتداخلُ الثقافات، تأتي هذه الجوهرةُ الكريمةُ نورًا يهدي إلى طريق الحرية المسؤولة، تلك الحرية التي تجمع بين تحرير الإنسان من القيود الخارجية، وتحريره من عبوديته الداخلية، ليعبد الله تعالى وحده لا شريك له، ويعيش في المجتمع إنسانًا حرًّا كريمًا.
فجر يوم فجر يوم الخميس الواقع في: 6/11/2025 الساعة (04:51)




