الجمعة - 12 يونيو 2026

حين يخذل الجناح السياسي رصيد الجهاد..!

منذ 7 أشهر
الجمعة - 12 يونيو 2026

كاظم ابورغيف ||

 

 

من المؤسف أن بعض القوى المجاهدة التي صنعت لنفسها مجداً ميدانياً تهابه الخصوم وتعتز به الأمة، قد تعثرت في اختبار سياسي حقيقي.

فبعد أن سطّر أبناؤها أروع ملاحم البطولة على جبهات القتال، وقدّموا أرواحهم دفاعاً عن الأرض والعقيدة والمقدسات، جاء #جناحها السياسي ليقدّم نموذجاً هزيلاً لا يمتّ بصلة إلى تلك الهامات التي حملت البندقية بإيمان وعقيدة.

لقد ظنّ الناس، وهم يتابعون إعلان تلك التشكيلات عن مشاركتها السياسية، أنهم أمام مشروع وطنيّ رصين يعكس حجمها الجهادي وموقعها الشعبي ومبدئيتها المعروفة. لكنّ الواقع أتى مخيّباً للآمال: أسماء باهتة، وجوه غير معروفة لا بتاريخٍ ولا بجهادٍ ولا بتواصلٍ مع جمهور القواعد التي صنعت مجد هذا الفصيل. كأنّ المكتب السياسي أراد أن يقدّم مشروعاً بلا روح، وبلا هوية، وبلا امتداد اجتماعي.

ثم جاءت المؤتمرات الجماهيرية لتزيد الصورة غموضاً وتكشّف حجم الارتباك في فهم الرسالة السياسية.
فالمؤتمر الجماهيري – بطبيعته – ليس مناسبة بروتوكولية، بل رسالة موجهة إلى القاعدة الشعبية تُكتب بلغة الوجوه التي تتصدر المنصة، والرموز التي تحيط بالمرشح، والشخصيات الاجتماعية والنخبوية التي تقف خلفه أو إلى جانبه. إنها إعلان صامت يقول للناس: “هذا المرشح يحظى برضا النخب، ويمثل وجدان الشريحة التي ننتسب إليها.”

فهل كتبت مكاتبكم السياسية تلك الرسالة كما ينبغي؟
وهل أتقن القائمون عليها صياغتها وإخراجها؟
من الذي تصدّر الصف الأول من المؤتمرين؟
ومن الذي أخذ بيد رئيس القائمة إلى منصته؟
هل كانت الوجوه التي حوله وجوهاً يعرفها الناس بتاريخها وولائها وتواصلها مع الجماهير، أم وجوهاً طارئة لم يسمع بها أحد، حضرت لتملأ فراغ الصورة لا أكثر؟

إنّ المشهد السياسي ليس مجرد كلماتٍ تُقال من المنصة، بل هو خطاب رمزيّ ينقله الحضور الجماهيري بملامحهم وسمعتهم وموقعهم الاجتماعي. ومن يفشل في ضبط هذه الرسالة البصرية، يبعثر ثقته قبل أن تبدأ المنافسة.

الناس لا تنخدع بالشعارات، بل تنظر إلى الوجوه التي تتصدر المشهد: من هو هذا المرشح؟ أين كان حين كانت البنادق تصنع النصر؟ ماذا قدّم للفصيل وللناس وللجبهة؟ هل له جذور في التشكيل أم جاء في موسم الانتخابات يحمل شعاراً لا يؤمن به؟

إنّ ميدان السياسة لا يرحم، ومن لا يُحسن قراءة وعي جمهوره، سيجد نفسه غريباً بين من كان يُفترض أنه منهم. وما نخشاه اليوم أن تكون النتائج الانتخابية المقبلة انعكاساً مؤلماً لهذا الخلل البنيوي في الاختيار؛ نتائج لا تليق بتاريخ التضحيات ولا بحجم الاسم الذي لطالما ارتجفت له جبهات الباطل.

لقد خذل الجناح السياسي القاعدة الجهادية، وأساء الاختيار، وكأنّه لم يتعلّم من تجارب السنين أن القوة لا تُترجم إلى صوتٍ انتخابي إلا عبر ممثّلين حقيقيين من صميم المشروع، ممن عُرفوا في الناس بمواقفهم وثباتهم. أما من أراد أن يصنع زعامة من وراء المكاتب وعلى حساب الرصيد الجهادي، فسينتهي إلى عزلةٍ سياسية وفقدانٍ تدريجيّ للثقة.

إنّ على القيادات أن تراجع نفسها سريعاً قبل أن تتحوّل المشاركة السياسية من فرصة إلى عبء، ومن مكسب إلى خسارة تاريخية. فليس عيباً أن يُخطئ الإنسان، ولكن العيب أن يُكابر على خطئه ويصرّ عليه حتى يضيع كل ما بناه المخلصون بدمائهم وعرقهم ….