خطة يينون… من ورق المجلات إلى خرائط التفتيت: نداء إلى نخب السنّة والكرد قبل فوات الأوان..!
كاظم ابورغيف ||

في العام 1982، #كتب أوديد يينون، أحد المحللين في الدوائر الاستراتيجية الصهيونية، مقالته الشهيرة في مجلة كيفونيم العبرية تحت عنوان: «إستراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات».
لم تكن المقالة تحليلاً فكريًا أو وجهة نظر صحفية، بل وثيقة تعبّر عن عقل المؤسسة الإسرائيلية آنذاك، وتكشف بوضوح عن الهدف النهائي لسياساتها في المنطقة:
“إضعاف العالم العربي من الداخل عبر تفكيك دوله الكبرى إلى وحدات طائفية وعرقية متناحرة، كي لا تبقى أي قوة قادرة على تهديد إسرائيل في المستقبل.”
ومن بين الدول التي تناولها يينون بتفصيل خاص، كان العراق في موقع الصدارة.
العراق في عين يينون: العقدة المركزية
رأى يينون أن العراق يشكّل التهديد العربي الأخطر، لأنه يمتلك كل مقومات الدولة القادرة على قيادة المواجهة مع إسرائيل:
ثروات نفطية هائلة، وجغرافيا مركزية، وتركيبة ديموغرافية يمكن أن تشكّل عنصر قوة إذا ما توحّدت.
ولذلك اعتبر أن وحدة العراق هي الكابوس الأكبر للمشروع الصهيوني.
فدعا صراحة إلى تقسيمه إلى ثلاث مناطق:
جنوب شيعي.
وسط سني.
شمال كردي.
وقال إن الحرب العراقية–الإيرانية تمثل فرصة نادرة لتدمير هذا البلد واستنزاف طاقاته.
لم تكن تلك دعوة نظرية، بل كانت خريطة طريق أمنية، تسعى لتحويل التناقضات الداخلية إلى جبهات دائمة.
حين تحوّل المخطط إلى واقع
بعد أكثر من أربعة عقود، يبدو أن ما سُمّي بـ”خطة يينون” لم تبقَ حبيسة الأرشيف، بل أخذت تتحقق بتدرج صامت.
فالعراق اليوم يعيش إرث الحروب، وتراكم الأزمات، والانقسام المجتمعي، وتعدد الولاءات، حتى صار التفكك أمرًا يُناقش سياسيًا لا يُستبعد وطنيًا.
وما هو أخطر أن خطاب الهوية الفرعية — سواء القومية أو الطائفية — أصبح لغة السياسة اليومية.
وإذا كان يينون قد حلم بعراق منقسم ومتنافر، فثمة من يعمل اليوم — عن قصد أو غفلة — على تحقيق ذلك من الداخل.
نداء إلى نخب المكونين السني والكردي
إن هذا المقال ليس استدعاءً لخصومات الماضي، بل صرخة وعي وطنية موجّهة بالدرجة الأولى إلى النخب السنيّة والكردية في العراق.
فالمشروع الذي يستهدف العراق لا يفرّق بين مكوّن وآخر، بل يبدأ بتفكيكهم ثم يفككهم هم أنفسهم.
أي تفكيك للعراق اليوم سيعني:
كردستان تتشظى بين قبائل وولاءات،
ووسطًا سنّيًا يتحول إلى كانتونات متناحرة،
وجنوبًا غارقًا في نزاعات محلية لا نهاية لها.
إن المصلحة العليا للكرد والسنة والشيعة معًا هي في وجود دولة عراقية قوية، مستقلة، قادرة على حماية الجميع لا استغلال أحد.
فحين تسقط بغداد، لن تسلم أربيل، وحين يضعف الجنوب، لن ينهض الشمال.
بين “خطة يينون” وواقع اليوم
في كل مرحلة من تاريخ المنطقة، تظهر نسخة جديدة من المشروع ذاته، ولكن بأسماء مختلفة:
«الشرق الأوسط الجديد»، «الفيدرالية الموسعة»، «الحدود الثقافية»، و«حقوق المكونات».
وكلها، في الجوهر، تجارب ناعمة لإعادة إنتاج مخطط يينون القديم بعبارات أكثر ديبلوماسية.
لهذا، من واجب النخب السياسية والفكرية العراقية أن تقرأ تلك النصوص العبرية لا كوثائق تاريخية، بل كتحذيرات سياسية معاصرة.
فالعراق الذي أراد يينون تقسيمه على الورق، يمكن أن نحافظ عليه اليوم إذا أدركنا حجم المؤامرة التي استبقت وعينا بعقود.
الخاتمة: العراق ليس ورقة في خطة يينون
العراق ليس خريطة على طاولة محلل صهيوني، ولا ساحة لتجارب القوى الدولية، بل أمة تمتد جذورها إلى ما قبل كل تلك الخطط والمؤامرات.
لكن الخطر الحقيقي أن نصبح نحن أدوات تنفيذها من حيث لا نشعر، عبر الانقسام والتخوين وتغليب المصلحة الضيقة على الوطنية الجامعة.
لقد كتب يينون مشروعه قبل أكثر من أربعين عامًا، لكنه لم يكن يتحدث عن زمنه فقط، بل عن زمننا هذا.
وإن لم نستيقظ، فسنعيد كتابة الخطة ذاتها بيدنا… ولكن على أرضنا.
الهوامش:
1. أوديد يينون، إستراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات، مجلة كيفونيم (Kivunim)، العدد رقم (14)، فبراير/شباط 1982، صـ 20–29، منشورة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية.




