الخميس - 11 يونيو 2026

🔹 خلاصة ورقة بحثية.. منع المرأة من تولي القضاء والولاية العامة في الفقه الجعفري: دراسة فقهية تحليلية..!

منذ 7 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابورغيف ||

 

 

مقدمة :-

تُعد قضية تولي المرأة للمناصب القضائية والولايات العامة من القضايا الفقهية التي شهدت نقاشاً واسعاً في الفكر الإسلامي. وقد تناولها الفقه الجعفري (الإمامي الاثنا عشري) ضمن إطار استنباطي يعتمد النصوص والروايات مع توجيه النظر إلى البنية الاجتماعية والوظيفية لأدوار الجنسين كما رسمها الشرع.
يهدف هذا البحث إلى بيان أسباب منع المرأة من تولي القضاء والولاية العامة في الفقه الجعفري، مع تحليل المبررات الشرعية والعقلية التي أسس لها كبار الفقهاء، وعرضٍ موجزٍ لآراء معاصرة تميل إلى إعادة النظر في بعض جوانب هذا الحكم.

أولاً: مشكلة البحث وأهميته

تتلخص مشكلة البحث في التساؤل الرئيس الآتي:

> ما الأساس الفقهي الذي اعتمد عليه الفقه الجعفري في منع المرأة من القضاء والولاية العامة، وهل هو منع تعبدي محض أم اجتهاد اجتماعي مرتبط بظروف معينة؟

وتكمن أهمية البحث في كونه يسلط الضوء على منطقة التماس بين النص والاجتهاد الاجتماعي، ويُظهر كيف عالج الفقه الجعفري العلاقة بين النصوص الدينية ومتطلبات الواقع في تحديد الأدوار العامة للمرأة.

ثانياً: فرضية البحث

يقوم البحث على الفرضية الآتية:

> أن منع المرأة من تولي القضاء والولاية العامة في الفقه الجعفري قائم على اشتراط الذكورة كشرطٍ تعبديٍّ في مناصب الحكم والقيادة المستمدة من مفهوم الولاية الشرعية، وهو اشتراط مستند إلى نصوص معتبرة وإجماع فقهي تاريخي.

ثالثاً: مفهوم الولاية العامة والقضاء في الفقه الجعفري

1. الولاية العامة:
هي السلطة العليا التي تشمل شؤون المجتمع الإسلامي السياسية والإدارية، وتختص عادة بالإمام المعصوم أو من يُنصّب من قبله، أو من ينوب عنه من الفقهاء الجامعين للشرائط زمن الغيبة.
(الخميني، الحكومة الإسلامية، ص 37)

2. القضاء:
هو ولاية الفصل بين الخصومات وإقامة العدالة وفق أحكام الشرع. وهو من المناصب الولائية التي يشترط فيها الفقهاء صفات مخصوصة، منها الذكورة والإيمان والعدالة والاجتهاد.
(الطوسي، الخلاف، ج3، ص355)

رابعاً: المبررات الفقهية لمنع المرأة من القضاء والولاية العامة

1. النصوص الروائية

وردت روايات معتبرة عن الأئمة عليهم السلام تنص على عدم تولية المرأة القضاء أو الإمارة، منها:

> عن الإمام الصادق عليه السلام: «لا تولى المرأة القضاء ولا الإمارة»
(الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج18، باب 3 من أبواب صفات القاضي، ح4)

كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله:

> «لا تصلح أن تكون المرأة قاضية ولا والية ولا تتولى أمر الرجال.»
(المصدر نفسه)

وقد فهم الفقهاء من هذه النصوص منعًا صريحًا لاعتبار الذكورة شرطًا في القضاء.

2. إجماع الفقهاء الإمامية

نقل العديد من العلماء الإجماع على اشتراط الذكورة، منهم:

الشيخ الطوسي (الخلاف، ج3، ص355)

العلامة الحلي (تذكرة الفقهاء، ج2، ص390)

الشهيد الثاني (مسالك الأفهام، ج14، ص73)

ويُعد هذا الإجماع من الأدلة المعتبرة في الفقه الإمامي لعدم ثبوت مخالف معتبر قديم.

3. التحليل العقلي والاجتماعي

اعتبر بعض الفقهاء أن القضاء يتطلب خصائص تتعلق بالهيبة، والمواجهة، والتعامل المباشر مع الخصومات ومجالس الرجال، وهي أوضاع قد لا تنسجم – بحسب تصورهم – مع طبيعة الوظائف التي رُسمت للمرأة في التشريع الإسلامي.
كما رأى آخرون أن هذا المنع لا يُعبّر عن انتقاص من مكانتها، بل هو تنظيم اجتماعي شرعي للأدوار، وليس حكماً في القيمة الإنسانية.
(انظر: مغنية، الفقه على المذاهب الخمسة، باب القضاء)

4. القياس على الإمامة الكبرى

لأن الولاية العامة فرع من الإمامة الكبرى، وهي مختصة بالرجال بنص وإجماع، فقد قاس الفقهاء عليها سائر الولايات، ومنها القضاء، واعتبروها امتدادًا لوظائف القيادة الدينية والسياسية التي لا تتولاها المرأة.
(الأنصاري، المكاسب، ج3، ص555)

خامساً: الموقف من الولاية العامة زمن الغيبة

يرى الفقه الجعفري أن الولاية العامة في زمن غيبة الإمام المعصوم عليه السلام تثبت للفقيه الجامع للشرائط.
وقد أكد الإمام الخميني أن هذه الولاية تتطلب صفات القيادة والاجتهاد والذكورة، لكونها امتدادًا لولاية المعصوم، وهي من وظائف النائب العام عنه، أي الفقيه الذكر.
(الحكومة الإسلامية، ص 38–40)

سادساً: آراء معاصرة في إعادة النظر

ناقش بعض الفقهاء المعاصرين إمكانية مشاركة المرأة في بعض المناصب الإدارية أو الاستشارية التي لا تُعدّ من باب الولاية العامة، ومنهم:

السيد محمد حسين فضل الله الذي رأى أن المنع لا يشمل جميع صور الوظيفة العامة، بل القضاء بمعناه الحاكم الشرعي الذي يفصل في الخصومات.
(فقه المرأة، ج2، ص155)

إلا أن هذه الاتجاهات ما تزال أقلية في الوسط الفقهي الإمامي، ولم تشكل تحولاً في الحكم الفقهي الموروث.

النتائج والاستنتاجات

1. إن منع المرأة من القضاء والولاية العامة في الفقه الجعفري يقوم على أدلة نصية وروائية تُفهم بصيغة المنع الصريح.

2. الإجماع التاريخي للفقهاء الإمامية أكد اشتراط الذكورة في مناصب القضاء والقيادة.

3. التحليل العقلي والاجتماعي عزز هذا المنع باعتباره تنظيماً وظيفياً لا انتقاصاً قيمياً.

4. مع تطور الزمان، ظهرت محاولات فقهية حديثة لتوسيع دور المرأة في الشأن العام دون المساس بالموقف التقليدي من القضاء والولاية الكبرى.

الخاتمة

يبقى موضوع الولاية العامة والقضاء في الفكر الجعفري من القضايا ذات الطبيعة المركبة، المتصلة بمفهوم القيادة الشرعية والاجتماعية معاً. وقد رسّخ الفقه الإمامي قاعدة اشتراط الذكورة في هذه المناصب على أساس روايات وأدلة معتبرة، مع وجود نقاش معاصر في حدود تطبيق هذا الشرط في المؤسسات المدنية الحديثة.
إن الموازنة بين النص الشرعي ومتغيرات الواقع تمثل تحدياً مستقبلياً للبحث الفقهي في مسألة موقع المرأة في البنية الولائية الإسلامية.

المصادر والمراجع

1. الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ج18، باب صفات القاضي.

2. الشيخ الطوسي، الخلاف، ج3، ص355.

3. العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء، ج2، ص390.

4. الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، ج14، ص73.

5. الشيخ الأنصاري، المكاسب، ج3، ص555.

6. الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية.

7. السيد محمد حسين فضل الله، فقه المرأة، ج2.

8. الشيخ محمد جواد مغنية، الفقه على المذاهب الخمسة، باب القضاء.

9. السيد محسن الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، ج14، مبحث القضاء.