الخميس - 11 يونيو 2026

خلاصة ورقة بحثية عن خلق التواضع في فكر الإمام الخميني (قدس سره)

منذ 7 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابو رغيف ||

 

 

مقدّمة:-

يُعدّ الإمام روح الله الموسوي الخميني (قدس سره) من أبرز الشخصيات الإسلامية المعاصرة التي جمعت بين الفكر العرفاني العميق والممارسة الأخلاقية الصادقة والقيادة الثورية الحكيمة. وقد شكّلت منظومته الأخلاقية أحد أركان مشروعه الإصلاحي، إذ كان يرى أنّ إصلاح النفس مقدّمة لإصلاح المجتمع. ومن أهمّ القيم التي أكّد عليها في كتبه وسيرته، قيمة التواضع، التي اعتبرها أساس السلوك العرفاني ومفتاح العبودية الحقة لله تعالى.
تهدف هذه الورقة إلى عرض خلاصة فكر الإمام الخميني حول التواضع، من خلال تحليل نصوصه في مؤلفاته الأخلاقية مثل سرّ الصلاة والأربعون حديثًا، إضافةً إلى استعراض الشواهد العملية التي نقلها عنه تلامذته ومقرّبوه.

أولاً: التواضع في البناء المعرفي والأخلاقي للإمام الخميني

1. مفهوم التواضع في الفكر الإسلامي

يُعرَّف التواضع بأنه خفض الجناح للناس، وترك التكبر والعُجب، وهو من صفات المؤمنين التي امتدحها القرآن الكريم بقوله تعالى:

> ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63].
وقد اعتبر العلماء المسلمون التواضع ثمرة المعرفة بالله وبالنفس، لأنّ مَن عرف قدر نفسه لم يرَ لها فضلاً على أحد.

2. التواضع عند الإمام الخميني: رؤية عرفانية

يُظهر تحليل نصوص الإمام الخميني أنّه يتعامل مع التواضع لا بوصفه خُلقًا اجتماعيًا فحسب، بل مقامًا روحيًا يعكس فناء الأنا في شهود الربّ.
ففي كتابه الأربعون حديثًا، أثناء شرحه للحديث حول الكبر والتواضع، يقول:

> «اعلم أن التواضع لا يتحقق إلا بعد معرفة النفس ومعرفة الربّ، فإذا علم الإنسان أنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، وأن الكبرياء لله وحده، زال عنه العُجب واستقرّ في مقام العبودية.»

أما في سرّ الصلاة، فيربط الإمام بين التواضع وحقيقة العبادة، معتبرًا أن التواضع يبلغ ذروته في السجود، حيث يُلقي العبد بنفسه على التراب إعلانًا للفقر المطلق أمام الغنيّ المطلق:

> «السجود نهاية التواضع، لأن العبد فيه يُلقي بنفسه على التراب، مظهرًا فقره الذاتي أمام الغنيّ المطلق، فمَن لم يعرف هذا السرّ، لم يذق لذة الصلاة.»

يتبيّن من هذين النصّين أن التواضع في فكر الإمام ليس مجرّد سلوك أخلاقي، بل هو تعبير عن توحيد وجودي، يرى في الكبرياء شركًا خفيًا، وفي التواضع تجليًا للتوحيد العملي.

ثانيًا: التواضع في السيرة العملية للإمام الخميني

1. التواضع في الحياة الشخصية

نقل تلامذة الإمام ومقرّبوه مشاهد عديدة تعبّر عن عمق تواضعه. فقد ذكر نجله السيد أحمد الخميني أنّ والده ظلّ بعد انتصار الثورة يعيش في بيت متواضع للغاية، وكان يرفض توسيعه أو تجديده قائلاً:

> «ما حاجتي إلى بيت أوسع وأنا ضيف الدنيا إلى حين؟»

ويروي الشيخ حسن صانعي أنّ الإمام، في دروسه بالحوزة العلمية في قم، كان يجلس بين طلابه دون حواجز، يستمع إليهم باهتمام، وينهاهم عن مظاهر التعظيم الشخصي، حتى أنّه كان يمنعهم من تقبيل يده قائلاً:

> «قبّل يد أمك فهي أحقّ بالتقدير.»

2. التواضع في القيادة السياسية

انعكس هذا الخلق أيضًا في إدارة الإمام للدولة بعد الثورة الإسلامية في إيران. فقد كتب في وصيته السياسية الإلهية وفي رسائله إلى المسؤولين:

> «اعلموا أنكم خدمٌ لهذا الشعب العزيز، وكلُّ ترفٍ أو استعلاءٍ على الناس هو خيانةٌ للأمانة التي حمّلكم الله إياها.»

هذا النصّ يعكس رؤية الإمام بأنّ القيادة في الإسلام هي تكليف لا تشريف، وأنّ الحاكم ينبغي أن يرى نفسه خادمًا للأمة، لا متسلطًا عليها.

ثالثًا: التحليل والمناقشة

1. الأساس العرفاني للتواضع عند الإمام الخميني

يتأسس التواضع عند الإمام على البنية التوحيدية لفكره العرفاني؛ فالتواضع ليس مجاملةً للناس، بل إدراكٌ لحقيقة الفقر الذاتي أمام الله. ومن هنا، يصبح التواضع شرطًا في السير والسلوك إلى الله، إذ لا يمكن أن يتحقق القرب من الحق مع بقاء الأنا المتضخّمة.

2. التواضع كأداة إصلاح اجتماعي

لم يقتصر الإمام في دعوته إلى التواضع على البعد الفردي، بل اعتبره ركيزةً لبناء مجتمع إسلامي متكافئ تسوده العدالة والاحترام المتبادل. فالتواضع، في منظوره، يقطع جذور الاستبداد والتمييز الطبقي، ويؤسس لثقافة الخدمة والمسؤولية الجماعية.

الخاتمة

خلصت هذه الورقة إلى أنّ التواضع في فكر الإمام الخميني يمثل مقامًا روحانيًا وأخلاقيًا يقوم على معرفة النفس بالله، ويتجلى في سلوك الفرد والمجتمع معًا. وقد جسّد الإمام هذا المفهوم في حياته اليومية وقيادته السياسية، فكان مثالًا حيًا للعارف الذي يرى الكبرياء لله وحده.
لقد أثبتت تجربة الإمام أنّ التواضع ليس ضعفًا بل وعيٌ بالقوة الإلهية في النفس الإنسانية، وأنّ القيادة الحقيقية تبدأ بخفض الجناح للناس والتذلل لله تعالى.

المصادر والمراجع

1. الإمام روح الله الخميني، الأربعون حديثًا، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

2. كاظم سلمان، سرّ الصلاة، قم: دار الروح.

3. السيد أحمد الخميني، ذكريات عن والدي الإمام.

4. الشيخ حسن صانعي، في ظلال الإمام الخميني.

5. وصية الإمام الخميني السياسية الإلهية، طهران: مؤسسة نشر الامام .