الخميس - 11 يونيو 2026

النزقُ وقِلّةُ الكِتمان… آفتان تهدّدان الجماعة الصالحة..!

منذ 8 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابورغيف ||

 

 

في

هذا العصر الذي كثُرت فيه الضوضاء وأسراب الكلام، ومع تراجع مناعة الجماعة الصالحة أمام الأفراد والمصالح، تتجلّى الحاجةُ ماسةً إلى العودة للقيم الثابتة التي أرادها الأئمّة عليهم السلام. من بين تلك القيم إكرام النفس وضبطها، وحِفظُ السرّ والأمانة. ويأتي هذا الحديثُ القيّمُ لعلي بن الحسين زين العابدين عليه السلام ليرسم لنا بوضوح جسماً من المعايير الجماعية:

«وددتُ – والله – أني افتديتُ خَصْلَتَيْنِ في شيعَةٍ لنا بِبَعْضِ لَحْمِ ساعدي:- النَّزَقَ، وقِلّةَ الكِتْمَانِ.» (بحار الأنوار ج 72، ص 69)
هذا الحديثُ يشيرُ إلى أنّه ليس كافياً أن نفرّط في ضبط سلوك الفرد فحسب، بل بذرنا في داخل الجماعة خصالاً إذا غابت فإنها تُضعفُ الجسم الجماعيّ، فتُصبح الجماعة قابلة للانشطار والانهيار.

#النصّ وبيانُه

النصّ كما ورد: «وددتُ – والله – أني افتديتُ خَصْلَتَيْنِ في شيعَةٍ لنا ببعض لحم ساعدي: النزق، وقلّة الكِتمان.»

الشرح الموجز

النّزَق: أي الخِفة، والعجلة في التصرّف أو القول، وعدم ضبط النفس عند الغضب أو الانفعال.

قلّة الكِتْمَان: أي عدم القدرة أو الرغبة على حفظ الأمور التي ينبغي كتمانها، كالأسرار، أو الأقوال التي يُجاز أن تُحتفظ بها جماعة أو أفراد من أجل الصالح العام.

#أولاً: كيف تُضعف «النَّزَق» الجماعة؟

النزقُ هو الطيش، وهو التصرّف غير الواضب. فحينما يتصرّف فردٌ من الجماعة بنزق—يتسرّع في الكلام، يتخذ القرار بغير مشورة، يغضب ويُهاجم بدون تفكير—فإنّه لا يُضعف نفسه فحسب، بل يُضعف الجماعة التي ينتمي إليها:

يُحفّز الخصومة داخل الجماعة، ويُنبذ سمة الحِلم والحكمة.

يُؤثّر في الثقة بين الأعضاء: عندما يرى الناس أنّ بعضهم يتصرف بسرعة وطيش، يقلّ طمأنينة البقية في التزامهم.

الجماعة الصالحة تحتاج لأفراد «عاقلين» أو «حِلْمين»: يُراجعون أنفسهم، يُهدّئون النفوس، لا ينفجرون عند أول عثرة.
وبالتالي، التخلّي عن النزق هو شرط للمشاركة الصادقة في جماعة تُريد أن تكون مثمرة وراسخة.

#ثانياً: لماذا تُعدّ «قلة الكِتْمَان» خطراً على أمان الجماعة؟

الكتمان، في الأصل، سِترٌ وأمانةٌ. فإذا انتفت هذه الصفة، فإن الجماعة تُعرض لأضرار:

إفشاء الأسرار أو قول ما لا ينبغي أن يُقال — خاصة فيما يتعلق بمواقف الجماعة، أو بتوجيهات الأمة — قد يُعطي خصوماً مادة للانقسام أو الاستهزاء.

جماعة لا تحفظ الأمانة، سواء أكانت أسرارها أم روابطها، فهي كبيتٍ بلا أساس: تُصبح عرضة للاختراق من الداخل والخارج.

حفظ السرّ ليس تقيّة بقدر ما هو وعيٌ بمسؤولية الجماعة؛ فالفرد في الجماعة ليس «أنا منفصل»، بل «أنا ضمننا».
لذا، التخلّي عن صفة قلة الكِتْمَان يعني أن نبني فينا روحَ الأمانة والوفاء، ونحمي جماعتنا من الفتنة والنّشر غير المبرّر.

#ثالثاً: صِلة هاتين الخصلتين ببناء الجماعة الصالحة

الجماعة التي أرادها أهل البيت عليهم السلام ليست فقط مجموعة أفراداً متشابهين، وإنما كيانٌ يرتبط بالقيم: قيمة التقوى، وقيمة الصبر، وقيمة الأخوّة، وقيمة الحكمة.

إذا اكتسب الفرد صفة الحِلم وضبط النفس، فإنه يُثبّت الجماعة في لحظات التوتر.

وإذا تحلّى الفرد بالأمانة في الكلام والعمل والكتمان، فإنّه يجعل الجماعة حصناً من الشفافية الحكيمة والحبّ الصادق.
وعندما يغيب هذان الشرطان — الحِلم والكتمان — قال الإمام عليه السلام: «وددت أني افتديتُهما»، بمعنى أن خسارتهما في شيعته كانت له ألمًا كبيرًا، حتى تمنى أن يدفع ببدنه ليتخلصوا منهما. هذا تأكيدٌ على أنّهما ليسا مجرد أخلاق فردية، بل أساس من أسُس الجماعة الصالحة.

#رابعاً: خطوات عملية للتخلّي عن النزق وقلة الكِتْمَان

1. المراجعة الذاتيّة: أن أتأمّل: متى غلبتني العجلة؟ متى تكلمت أو تحرّكت دون تفكير؟ متى نشرت شيئاً ولازم أن يبقى سراً؟

2. ضبط النفس عند الغضب: خذ نفساً عميقاً، تذكّر مآل القول أو الفعل، اطلب من نفسك تأجيل القرار، استشر إن لزم الأمر.

3. حفظ الأسرار والمعلومات الحسّاسة: إذا وردت إليّ معلومة لم تُعطَ للنشر، فلتكن عهدًا لي. «الكتمانُ» ليس فقط الامتناع عن الكلام، بل حفظُ ما ليس مُختَلاَفاً في قوله ونشره.

4. تعويد الصمت المناسب: ليس كلّ ما يمكن قوله يجب أن يُقال، بل أحيانًا الصمت أبلغ من الكلام. فعندما تشعر بأن القول قد يضرّ، فافعل ما فعله أهل الحكمة: اسكت، فكر، ثم حدِّد ما تقول أو ما لا تقول.

5. الاقتداء بالأئمّة عليهم السلام: راقب سيرتهم، تعلّم من حكمتهم وصبرهم، فهم — عليهم السلام — أصحاب حلم وكتمان، لا يعجلون ولا يفرّطون.

6. المحاسبة والمراجعة الدورية: في نهاية الأسبوع أو الشهر، دوّن ملاحظاتك: ما الذي فعَلته؟ هل نَجَحت في أن أمسك نزقي، أو أن أُكمِّتُ ما يجب كتمه؟ حدِّد ما تحتاج إلى تحسينه.

#الخاتمة

إنّ النزق وقلّة الكِتْمَان ليستا خصالاً فرديّة فحسب، بل هما مرضٌ اجتماعيّ يُضعف الجماعة ويُشوّه صورتها أمام الله وأمام الناس.
ولقد عبّر الإمام زين العابدين عليه السلام عن ألمٍ شديد بتواجد هاتين الصفتين في شيعته، وتمنّى أن يُفتدى بهما من أجلكم — أي من أجل الجماعة، من أجل أن تبقى صالحة، متماسكة، مؤهّلة للخير.
فلنعمل فقد صار الآن وقتُ التفعيل: لنبنِ ذواتنا وأيدي بعضنا بعضًا، ولنجعل من الحِلم والكتمان وقودًا لجماعة صالحة تُشرق بالخير، وتصدّ الفتن، وتكون نوراً في الأرض.

«فليكن قولنا خيراً، ولصمتنا حكمةً، وأفعالنا خيراً للناس، حتى نكون بحقّ كما أراد الأئمّة عليهم السلام: نُبنى لا نُفرّق، نُعزّ بروابط الأخوّة، لا نُذلّ بشتاتنا وتفرق كلمتنا .
………..
المراجع:-
شرح مرٱة الكمال