الخميس - 11 يونيو 2026

ثمانينيات الشباب العراقي… جيلٌ احترق ليحيا الوطن..!

منذ 8 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابو رغيف ||

 

 

 

في ذاكرة العراق صفحةٌ سوداء، عنوانها العريض “الثمانينيات”، تلك الحقبة التي لم تكن مجرّد سنواتٍ تقويمية، بل كانت محرقةً بشريةً وسياسيةً وأخلاقيةً التهمت أعمار جيلٍ كامل من الشباب. جيلٌ لم يكن أمامه خيارٌ سوى أن يعيش مكرهًا في زمنٍ يُجرّم الحياة ويقدّس الحرب، جيلٌ خرج من طفولته ليجد نفسه بين خنادق الموت ودهاليز الخوف.

في تلك السنوات، لم يكن الشباب العراقي يعرف معنى المستقبل. فإمّا قتيل حربٍ لا يُعرف قبره، أو معدومٌ سياسي بتقريرٍ حزبيٍّ كاذب، أو أسيرٌ يذوب في معسكرات الأسر لعقدٍ أو أكثر. ومن نجا من الموت لم ينجُ من الإعاقة أو الرعب أو الملاحقة، لأن الخوف كان أقوى من الرصاص، ولأن الدولة البعثية جعلت من المواطن عدوًّا محتملاً حتى وهو يقاتل باسمها.

كان الجنوب وقود الجبهات، تُرسل إليه الأسماء التي تبدأ بـ (علي وعباس وحسين وعبد الزهرة)، بينما الخلفيات والمقرات تُترك لأسماءٍ أخرى من تكريت والرمادي، في مفارقةٍ قاسيةٍ لا ينساها التاريخ. فحتى في الموت، كان التمييز حاضرًا، وكان الولاء يُقاس بالدم لا بالوطن.

كانت القيادة تضع خلف الجبهات فرقَ إعداماتٍ تراقب الجنود لا الأعداء، فكل من يتراجع أو يتعب يُعدّ خائنًا. صورة صدام في البيوت لا تحمي صاحبها من التهمة الجاهزة: “صفوي، عجمي، شيعي”. سبع سنواتٍ من الحرب التي قيل إنها ستنتهي خلال ستة أشهر، حوّلت الشباب إلى شيوخٍ قبل أوانهم، وأعادت الوطن إلى نصف قرنٍ من التراجع، فيما كانت دول الخليج تحقق طفرتها الاقتصادية.

في تلك الحقبة، كان البيت العراقي ساحةَ انتظارٍ يوميةٍ للخبر الموجع. سيارة “كراون” تحمل تابوتًا تقف عند باب المختار، والقلوب تخفق خوفًا أن يكون الدور على بيتهم. الأمهات يتهامسن بين الدموع: “هل عاد ابن فلان؟ هل سمعتم عنه؟” في حين أن كثيرين كانوا أسرى، ولكنّ جثثًا أخرى سُلّمت بدلهم.

ومن نجا من الحرب، اصطدم بواقعٍ أكثر قسوة. لا عمل، لا وظيفة، لا كرامة. الوظائف تُمنح للموالين أو للأجانب، والمواطن الذي قاتل يُرسل إلى “المجهود الحربي” سخرةً بلا راتب. ومن يتكلم، يُسجَن بتهمة “الإساءة إلى السيد الرئيس”. ومن يتأخر عن الالتحاق، تُداهم داره الأجهزة الأمنية كل يوم، حتى تنهار العائلة أو تهرب.

بلادٌ كانت تلتهم أبناءها باسم “الحزب والثورة”، وجيلٌ أُرغم على أن يكون وقوداً لطموحات طاغيةٍ لا تشبع. وفي نهاية المأساة، من خرج حيًّا منها وجد نفسه غريبًا في وطنٍ تغيّر، وزوجةً تزوجت بعد أن يئست من عودته، وبيتًا نسي اسمه، وحياةً فقدت معناها.

أيها الجيل الجديد،
إن ثمانينيات الشباب العراقي ليست حكايةً عابرة في التاريخ، بل وصيّةٌ ثقيلة في أعناقكم. من عاشها لم يكن بطلاً في روايةٍ أسطورية، بل شهيد وعيٍ وصبرٍ وإنسانيةٍ دُفنت تحت تراب الصمت. أن تتذكّروا هذه الحقبة لا يعني البكاء على الماضي، بل فهمه حتى لا يُعاد إنتاجه بوجهٍ جديد ولونٍ مختلف.

فكلّ أمةٍ تنسى وجعها، تُصاب بالعمى الأخلاقي وتُساق إلى محرقةٍ أخرى.
احفظوا تلك الذاكرة جيدًا، لأن جيل الثمانينيات احترق كي تعيشوا أنتم في وطنٍ لا يُعدّ فيه الإنسان رقمًا في قائمة الخسائر، ولا يُعدم فيه الحلم بتقريرٍ حزبي.

ذلك الجيل لم يكن “شروگيًا” كما يُقال اليوم، بل كان عراقيًا خالصًا…
دفع فاتورة الحرب، والخوف، والخذلان — ليبقى العراق.