الخميس - 11 يونيو 2026

المالكي – عبدالمهدي.. حين يختطف الاسم الفكرة.. شيعة السياسة يقتلون مشاريعهم بأيديهم..!

منذ 8 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابو رغيف ||

 

 

 

في لحظة من لحظات المكاشفة النادرة، خرج بها أحد وجوه العملية السياسية، السيد بهاء الأعرجي، ليقولها بصراحة تكاد تصدم الوعي الجمعي:

> «اعترضنا على مشروع البنى التحتية الذي طرحه السيد المالكي، رغم كل ما فيه من فائدة، لأنه سيُحسب باسمه».

كلمة واحدة تختصر مأساة السياسة الشيعية في العراق بعد عام 2003.
ليس الخلاف على الأفكار ولا على مصلحة الدولة، بل على الاسم الذي سيوضع على الإنجاز.
اسمٌ يثير الغيرة أكثر مما يثير الهمة، ويستفز الغرائز السياسية أكثر مما يوقظ روح التنافس البنّاء.

منذ أن انقسم البيت الشيعي إلى تيارات وكتل ومرجعيات سياسية متعددة، تحوّل المشروع الوطني الجامع إلى ضحية لتناحر “الأنا الحزبية”.
كل حزب أو زعيم يريد أن تكون الجسور والمدارس والأنفاق باسمه، والقرارات باسمه، والإنجازات في رصيده هو لا غير.
فتُقتل الفكرة في مهدها، لا لأنها فاشلة، بل لأنها وُلدت على لسان خصم سياسي.

مشروع البنى التحتية الذي طرحه المالكي كان يمكن أن يكون نقطة تحوّل في الاقتصاد العراقي، وفرصة لبناء قاعدة خدمية تقلّل من اعتماد الدولة على مزاج النفط وأسعاره.
لكنّ الاعتراض لم يكن على الآليات أو التمويل أو التنفيذ، بل على الهوية السياسية للمشروع.
وما قاله الأعرجي ليس استثناءً، بل هو نموذج متكرر في كل الحكومات الشيعية المتعاقبة:
مشاريع تُجهض لأنها «تُنسب» لخصم، وأخرى تُفتعل لأنها «تُنسب» لصديق.

ولعلّ حكومة السيد عادل عبدالمهدي كانت المثال الأوضح والأقسى

على هذا المنطق المريض.
فقد تكالبت عليها السهام من داخل البيت الشيعي نفسه، لا لأنها فشلت في الأداء أو خرجت عن ثوابت المذهب، بل لأنها بدأت تفتح ملفاتٍ ومشاريع كان من شأنها أن تنسب النهضة ـ إن تمت ـ إلى اسم عبدالمهدي لا غير.
تحرّكت الغيرة السياسية، واستُنفرت الماكينات الإعلامية، وبدأت الحملات تزرع الشكوك في كل قرارٍ يتخذه الرجل، حتى سقطت الحكومة لا بسيف المعارضة، بل بخناجر الإخوة.
وهكذا سقط مشروع اقتصادي سيادي كان يمكن أن يعيد للعراق شيئاً من قراره واستقلاله المالي، لأنّ بعض شركائه لم يحتملوا أن يُذكر اسمه مقرونًا بإنجازٍ يُحسب له.

والمفارقة أن الجميع يرفع شعار «خدمة المواطن»، لكن المواطن نفسه لم يرَ من هذه الخدمة سوى شعارات متبادلة وحروب تعريف إعلامي.
لقد تحوّلت الهوية الحزبية إلى مِبضعٍ يشقّ جسد الدولة على خطوط الولاء والانتماء، حتى صار العراق يُدار لا بعقل الدولة، بل بغرائز التنافس الشخصي داخل المذهب الواحد.

إنّ مستقبل العمل السياسي الشيعي، إذا بقي أسير هذه النفسية المريضة، سيكون مظلماً لا لأن خصومهم أقوياء، بل لأنهم يتناحرون على الضوء قبل أن يولد.
لا يمكن لأي مشروع استراتيجي أن يرى النور ما دامت كل كتلة تعتبر نجاح الآخر هزيمة لها، وما دام كل زعيم يخشى أن يُقال: “أنجزها فلان”.

القيادات الشيعية أمام خيارين لا ثالث لهما:
إمّا أن يعلوا على “الأسماء” لصالح “المضمون”، وإمّا أن يُسجَّل في التاريخ أنهم أضاعوا فرصة بناء الدولة بسبب حساسية الألقاب والمناصب.
فلا البناء ولا الكهرباء ولا السيادة ستتحقق في بلدٍ تُقاس فيه المشاريع ببطاقة تعريف الزعيم لا بجدواها الاقتصادية.

إنّ أعدى أعداء المشروع الشيعي اليوم ليس واشنطن، ولا أربيل، ولا خصوم الداخل، بل الأنانية السياسية التي تقتل الفكرة قبل أن تكبر.
فإذا لم يتجاوزوا عقدة “من يُذكر اسمه”، فلن يُذكر اسمهم جميعاً إلا

في خانة: “من أضاع الفرصة”.

وها هي الانتخابات المقبلة تقترب، والوجوه ذاتها تتأهب لتكرار المشهد ذاته.
سيُرفع شعار “المشروع الشيعي” من جديد، لكنّ التجربة علمتنا أن الخطر لا يأتي من الخارج، بل من الداخل الذي يأبى أن يتوحّد.
فإن لم يتعلموا من سقوط حكومة عبدالمهدي ومن ضياع مشاريع المالكي، فسيبقى البيت الشيعي السياسي بيتاً يتهدّم من داخله…
كلما حاولوا بنائه .