الخميس - 11 يونيو 2026
منذ 8 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابو رغيف ||

 

منذ أن وُجدت المرجعية الدينية في وجدان الأمة، وهي تمثّل عقلها الجمعي، وصمام أمانها أمام العواصف الفكرية والسياسية.
لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في ظل ما يشهده العراق من اضطرابٍ في الوعي، وتشويشٍ في البوصلة، هو:
هل تعاني المرجعية من قصورٍ في الفعل، أم أنّ الخلل يكمن في تقصير من يتوسط بينها وبين الأمة؟
هل المشكلة في الفكر المرجعي ذاته، أم في الوسط الذي لم يحسن نقل هذا الفكر إلى الناس بصدق وعمق ومسؤولية؟

إنها أسئلة موجعة لكنها ضرورية، لأنّ تشخيص الداء بدقة هو الخطوة الأولى في طريق الإصلاح ورفع منسوب الوعي الجمعي الذي بات ضرورةً وجودية قبل أن يكون ترفًا فكريًا.

المرجعية الدينية ورفع منسوب الوعي الجمعي

من المقصّر؟

إنّ أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس أزمة سياسية أو اقتصادية، بل انخفاض منسوب الوعي الجمعي لدى الأمة.
فحين يضعف وعي الجماهير، يسهل تزييف الحقائق، وتتسلل إلى مقدراتها قوى لا تملك شرعية بقاءها، لا من السياسة ولا من الشريعة.
وهكذا تُصنع الأزمات في بيئة يسودها الجهل وتُطفأ فيها مصابيح البصيرة.

لقد أكرم الله العراق والأمة الإسلامية بثروة لا نظير لها في العالم: المؤسسة المرجعية الدينية، الممتدة بين النجف الأشرف وقم المقدسة، والمتمثلة أيضًا في نهج الولي الفقيه الذي جسّد عمليًا قيادة الأمة الواعية في زمن الغيبة.
إنها المرجعية التي تمثل امتداد فكر أهل البيت عليهم السلام، وبصيرة الأمة ومصدر وعيها، وعقلها الجمعي الذي لا يضلّ ولا يُضلّ.

غير أن هذه النعمة الكبرى لم تُستثمر كما أرادها الله ولا كما خطط لها الأئمة العظام، والسبب لا يكمن في المرجعية ذاتها، بل في الوسط الناقل بينها وبين الأمة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: من المقصّر؟

المقصّر هو المعتمد والوكيل الذي اكتفى بمظاهر التمثيل دون جوهر الرسالة، وتحول من حاملٍ للوعي إلى ناقلٍ للبيانات.
والمقصّرة هي المؤسسات الدينية والثقافية التابعة للمرجعيتين التي غلب عليها الطابع الشكلي والبيروقراطي، فضاعت منها روح التبليغ الحيّ والمبادرة الميدانية.
والمقصّرة أيضًا هي الملفات الثقافية والإعلامية للأحزاب والتيارات والفصائل التي تدّعي الانتماء إلى المرجعية أو الولي الفقيه، لكنها لم تقدم للناس فكرًا يرقى إلى مستوى هذا الانتماء، ولم تبنِ وعيًا جمعيًا يُعبّر عن عمق المشروع الرسالي الذي أرادته المرجعية.

لقد تحوّل بعض هؤلاء إلى سدودٍ أمام المرجعية بدل أن يكونوا جسورًا نحوها.
يتحدثون باسمها دون أن ينقلوا رؤيتها الحقيقية، ويُلقون الخطب دون أن يوقظوا في الناس روح النهضة التي نادى بها الولي الفقيه وحملها المراجع العظام في النجف وقم.
فالمرجعية والولاية ليستا بحاجة إلى من يردّد عباراتهما، بل إلى من يترجم فكرهما إلى وعي وسلوك وموقف.

خارطة طريق الوعي

إنّ رفع منسوب الوعي الجمعي ليس شعارًا، بل مشروعًا حضاريًا يحتاج إلى أدوات ومناهج وآليات واضحة، وأهم معالمه ما يلي:

1. إعادة هيكلة الوسط التبليغي والوكالي:
بحيث يُعاد النظر في أداء المعتمدين والوكلاء، وفق معايير الرسالية والوعي والكفاءة الفكرية، لا وفق العلاقات والوجاهة الاجتماعية.
فالوكيل الذي لا يُشعل الوعي في محيطه لا يليق بحمل راية المرجعية.

. إطلاق مشروع وعي وطني جامع برعاية المرجعية:
يكون امتدادًا فكريًا وميدانيًا بين النجف وقم، ويستلهم رؤية الولي الفقيه في بناء الأمة الواعية المقاومة.
مشروع يجمع بين الفكر والسياسة والاجتماع والإعلام، هدفه صناعة مجتمع يعرف موقعه من العالم، ويدرك قيمة مرجعيته ودورها.

3. تفعيل المؤسسات الثقافية التابعة للأحزاب والفصائل المقاومة:
لتتحول من مكاتب علاقات عامة إلى مراكز تفكير وتوعية، تصنع خطابًا متزنًا يوازي مستوى التحديات، لا أن تكتفي بشعارات وشكل دون مضمون.

4. توحيد الخطاب بين مرجعية النجف ونهج الولي الفقيه:
لا بالمعنى السياسي، بل بالمعنى الرسالي والفكري، فالمشروع واحد، والميدان واحد، والعدو الذي يريد خفض وعي الأمة واحد.
توحيد الرؤية كفيل بخلق تيار وعيٍ مقاوم لا تُخترق صفوفه بسهولة.

5. إحياء دور المنبر الحسيني والفضاء الإعلامي الهادف:
فالمنبر ليس للبكاء فقط، بل لبناء وعيٍ يقرأ الحاضر بعين الحسين (ع)، ويواجه التضليل ببيانٍ حسينيٍ ثائر.

إنّ المرجعية أدّت ما عليها من بيانٍ وتوجيهٍ وإنذار، والولي الفقيه قد رسم للأمة طريق الوعي والبصيرة، لكنّ المسؤولية الآن في عنق الوسط الوسيط، في عنق المؤسسات والوكلاء والحركات التي عليها أن تُجدد أدواتها وتستيقظ من سباتها.
فإذا لم نرتقِ إلى مستوى المرجعية، فلن نرتقي إلى مستوى الوعي.
وإنّ الأمة التي تُهمل صوت مرجعها، وتُعطّل عقولها، ستبقى تدور في فلك الآخرين، حتى تُدرك أن النجاة لا تكون إلا بوعيٍ مستقى من المرجعية والولاية معًا، حيث العقل والروح، والفكر والنهج، يلتقيان في طريقٍ واحدٍ نحو الوعي والنهوض .