الخميس - 11 يونيو 2026

خطورة تأسيس المشاريع على فرقٍ غير متجانسة: التيارات الإسلامية وفصائلها أنموذجاً..!

منذ 8 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابو رغيف ||

 

الملخص

تهدف هذه الورقة إلى تحليل ظاهرة فشل بعض المشاريع الإسلامية المعاصرة نتيجة ضعف التجانس العقائدي والفكري والنفسي بين أفرادها، مع التركيز على نماذج من الواقع السياسي والاجتماعي العراقي بعد عام 2003. وتؤكد الدراسة أن غياب الانسجام الروحي والثقافي بين الأفراد يؤدي إلى تفكك المشروع وتناحر مكوناته، مهما كانت نياته وشعاراته. ويُستند في التحليل إلى مفاهيم قرآنية وأحاديث أهل البيت (ع) إضافةً إلى شواهد من التجارب الإسلامية الحديثة.

المقدمة

تُعدّ وحدة الصف الداخلي شرطاً أساسياً في نجاح أي مشروع نهضوي، دينيّاً كان أم دنيوياً. وقد أكدت التجربة الإسلامية المعاصرة أن المشروعات التي تُبنى على أساسٍ من التعبئة العاطفية دون التجانس الواعِي سرعان ما تتآكل من داخلها.
إن التأسيس لمشروع رسالي يتطلب بناء الإنسان قبل البُنيان، وتوحيد الفكرة قبل جمع الأنصار، إذ أن التجانس هو الذي يمنح الفريق روحاً واحدة وهدفاً ثابتاً في مواجهة التحديات.

أولاً: مفهوم التجانس الرسالي

التجانس هنا ليس تشابهاً تنظيمياً فحسب، بل هو:

1. وحدة العقيدة والغاية: أي أن جميع الأعضاء يستشعرون قدسية الهدف، لا مجرد المكسب السياسي.

2. وحدة الوعي والبصيرة: أن يتشارك الفريق في فهم المرحلة والموقف من الخصوم والأولويات.

3. الانسجام النفسي: وجود استعداد نفسي للتضحية وضبط الذات ضمن الجماعة.

4. الثقافة المشتركة: أن تتشكل لدى الجميع رؤية موحدة لطبيعة العمل والقيادة.

إن فقدان أحد هذه العناصر يخلق “اختلاف نية” يؤدي لاحقاً إلى “اختلاف طريق”، كما ورد عن الإمام علي (ع):

> «من اختلفت نيّاتهم تفرّقت وجوههم.»
(نهج البلاغة، الحكمة 177)

ثانياً: تجارب واقعية من التيارات الإسلامية

شهدت الساحة الإسلامية العراقية بعد سقوط النظام السابق بروز عدد من القوى الإسلامية التي انطلقت من مشكاة واحدة لكنها انتهت إلى طرق متفرقة.

بعضها تبنّى خط المواجهة والتعبئة الميدانية.

وبعضها اختار الاندماج السياسي الهادئ.

فيما فضّل آخرون العمل الرمزي أو الاجتماعي دون وضوح تنظيمي.

ورغم اشتراك هذه القوى في المرجعية الفكرية والشعار، إلا أن تفاوت البنية العقائدية والنفسية لقياداتها وأعضائها جعل التنسيق بينها هشّاً، والتفاهم عسيراً، مما أنتج انشقاقات متكررة وصراعات علنية، وانفضاض القواعد الشعبية عنها تدريجياً.

هذه النماذج تُجسّد تماماً أثر اختلاف المقدمات التربوية والثقافية في مسار أي حركة، فالفرد غير الناضج عقيدة ووعياً لا يمكن أن يكون لبنةً صالحة في بناء جماعي متماسك.

ثالثاً: الأسباب العميقة لغياب التجانس

1. اختلاف الفهم للوظيفة الدينية والسياسية: بعضهم يرى الدين وسيلة إصلاح، وآخر يراه سلماً للسلطة.

2. تعدد مصادر التلقي: غياب المنهج الموحد في التثقيف والتربية أدى إلى تضارب المرجعيات داخل الجماعة الواحدة.

3. ضعف البناء الروحي والتربوي: التركيز على التحشيد العددي أكثر من تهذيب النفوس.

4. انعدام الثقة القيادية: تنازع الصلاحيات داخل القيادة الواحدة بسبب غياب المبدأ لا النظام.

5. تضارب الثقافة التنظيمية: بين من يرى الطاعة التزاماً شرعياً ومن يراها عملاً سياسياً يمكن التمرد عليه.

قال الإمام الخميني (قده) في كتاب الأربعون حديثاً:

> «ما لم تُطهَّر النفس من أدران حبّ الذات، لا يُرجى منها أن تعمل لله، بل تعمل لهوى النفس باسم الله.»
وهذا القول يلخص جوهر المشكلة في كثير من المشاريع الجماعية ذات الطابع الإسلامي.

رابعاً: النتائج والمآلات العملية

1. تفكك البنية التنظيمية: انقسامات داخلية وصراعات قيادية متكررة.

2. خسارة القاعدة الجماهيرية: الجماهير لا تتبع من يختلفون في الموقف الواحد.

3. تحول الرسالة إلى مصلحة: انزياح الهدف من العمل لله إلى العمل للسلطة.

4. التناحر الداخلي: ما يلبث أن يتحول الخلاف الفكري إلى خصومة ميدانية.

5. الانهيار المعنوي: ضياع الثقة الداخلية وظهور مظاهر الإحباط بين المخلصين.

هذه النتائج ليست فرضيات، بل وقائع معاشة في بعض الحركات الإسلامية العراقية التي بدأت بشعار “نصرة الدين” وانتهت إلى “نصرة الذات”.

خامساً: الأسس الفكرية والشرعية للتجانس

في مدرسة أهل البيت (ع) تُعدّ وحدة القلب والنية ركيزة أي عمل صالح.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4]

وقال الإمام الصادق (ع): «كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية.» (الكافي 2:78)

فالمجتمع الرسالي المتجانس يقوم على:

1. التزكية قبل التنظيم: لأن البناء على نفسٍ غير مروَّضة ينهار سريعاً.

2. توحيد المناهج التربوية: حتى لا تتعدد مصادر الفهم.

3. الالتزام بالهدف الإلهي لا الحزبي: فالولاء للمبدأ لا للأشخاص.

4. القيادة القدوة: التي تمثل النموذج العملي في الإخلاص والوحدة.

وقد أشار الإمام الخامنئي (دام ظله) إلى ذلك بقوله:

> «العمل الإسلامي لا يستقيم إذا لم يُبنَ على الإخلاص والتفاهم الداخلي، فالتنازع بين المؤمنين أضرّ من عدوّ خارجي.»
(من خطابه في لقاء القادة الثوريين، 1996)

سادساً: دروس مستخلصة للمشاريع الإسلامية المقبلة

1. لا تُبنى المشاريع الكبرى على التحشيد السريع، بل على الفرز التربوي النوعي.

2. تجانس النية والوعي شرط للثبات أمام الأزمات.

3. القيادة الموحّدة لا تعني شخصاً واحداً، بل وحدة فكر ومنهج.

4. كل مشروع يضم عناصر متنافرة فكرياً سينفجر من الداخل مهما طال عمره.

5. الإصلاح الحقيقي يبدأ من تربية الإنسان لا من كسب المقعد.

الخاتمة

إن تأسيس المشاريع الإسلامية على فرقٍ غير متجانسة هو كزرع البذرة في تربةٍ متنافرة الطبقات: تنبت أولاً، لكنها لا تثمر.
لقد أثبتت التجارب أن غياب التجانس العقائدي والثقافي والروحي يُنتج تفككاً لا ينفع معه الشعار ولا التاريخ، وأن سر بقاء أي حركة إسلامية هو في صفاء نيات أفرادها وتوحّد رؤاهم قبل أي شيء آخر.

ومن ثم، فإن الواجب على النخب الرسالية والمفكرين إعادة النظر في آلية بناء الفريق، فلا يُقبل في صفٍّ واحد من يختلف في البوصلة والنية، لأن المشروع الذي لا يوحِّد قلوب رجاله لن ينجح في توحيد أمّته.

الهوامش والمصادر

1. نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، بيروت، الحكمة 177.

2. القرآن الكريم، سورة الصف، الآية 4.

3. الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص78.4. الإمام روح الله الخميني، الأربعون حديثاً، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام، طهران.

5. الإمام السيد علي الخامنئي، الوعي الرسالي والوحدة الإسلامية، دار الهدى، قم، 1996.

6. محمد باقر الصدر، المدرسة الإسلامية في الفكر والتنظيم، مؤسسة دار التعارف، بيروت.

7. عباس نور الدين، القيادة في فكر الإمام الخميني وكاظم سلمان، دار المعارف الحكمية، بيروت، 2018.

8. علي شريعتي، العودة إلى الذات، دار الأمير، بيروت.