فصائل المقاومة.. المالك الفعلي للعراق الغائب عن وعي جمهوره..!
كاظم سلمان ابو رغيف ||

ليست فصائل المقاومة في العراق مجرد أجنحة عسكرية ولائية أو تنظيمات عقائدية تشكلت في ظرف أمني استثنائي، بل هي في جوهرها المشروع العملي الوحيد الذي حافظ على كرامة العراق وطهارته من عار الصمت والحياد أمام الاحتلال والإرهاب.
جهادها غطّى كل ذرة من تراب الوطن، ودماؤها رسمت خطوط السيادة التي ما كانت لتبقى لولا تضحياتها في الميدان، يوم كان الآخرون يفرّون من ساحة المعركة أو يبيعون المواقف في سوق السياسة.
ومع ذلك، يبدو المشهد متناقضاً بمرارة:
رغم كل هذا التاريخ البطولي، نجد حالة من الفتور الشعبي والابتعاد الجماهيري عن فصائل المقاومة، ليس من خارج بيئتها الاجتماعية فقط، بل من داخل القاعدة التي نمت فيها وتشكلت من خلالها.
فما الذي حدث حتى خبت الجاذبية الشعبية، وتقلصت نسبة التصويت لهم في الدورات الانتخابية الأخيرة، وقلت المشاركة في فعالياتهم الجماهيرية مقارنة بسنوات الصعود الأولى؟
أولاً: انقطاع التواصل الاجتماعي والسياسي
حين انطفأت نار المعركة وبدأت مرحلة البناء السياسي، أخفقت كثير من الفصائل في التحول من منطق السلاح إلى منطق الإدارة والتنظيم الاجتماعي.
بقي الخطاب مشحوناً بروح التعبئة العسكرية لا بروح الخدمة المدنية، فخسرت الفصائل قدرتها على جذب الأجيال الجديدة التي تبحث عن منجز ملموس لا عن سردية البطولة فقط.
الناس اليوم تسأل: أين حضورهم في الإعمار؟ في الوظائف؟ في التشريع؟ في مواجهة الفساد؟
وحين لا تجد الجواب، تتراجع عاطفتها وإن بقي احترامها راسخاً.
ثانياً: فشل التوظيف الإعلامي والرمزي
لم يُبنِ أغلب إعلام المقاومة جسوراً مع الوعي الشعبي، بل اكتفى بالرد على الهجمات الإعلامية أو تمجيد الذات بلغة متكررة لا تلامس هموم المواطن.
غياب الإعلام الذكي القادر على صياغة خطاب وطني جامع جعل صورة الفصائل تتآكل في المخيال العام، بينما نجح خصومهم في صناعة سرديات موازية تُظهرهم وكأنهم عبء على الدولة لا حماة لها.
ثالثاً: التشظي السياسي وحصتهم المنقوصة
في الميدان السياسي، دخلت فصائل المقاومة بأذرع حزبية متعددة وغير منسقة، فانعكست الانقسامات على القاعدة الانتخابية.
نتائج الدورات الانتخابية الأخيرة كانت أوضح شاهد:
تراجع نسبي في الأصوات والمقاعد، وانكماش التأييد الشعبي في المحافظات الوسطى والجنوبية التي كانت يوماً خزّان الدعم لهم.
الناس لم تتخلَّ عن المبدأ، لكنها ملّت ضعف الأداء السياسي، وتشوش الصورة بين المقاومة والسلطة.
رابعاً: غياب المشاريع الاجتماعية المتماسكة
العمل الخدمي والاجتماعي الذي كان يمكن أن يكون جسر ثقة بين الفصائل وجمهورها، ظل في الغالب جهداً فردياً أو محدود الأثر.
حين تقتصر المقاومة على البندقية، تنكمش شرعيتها مع أول هدنة.
المجتمع يريد مقاومة تحميه في الحرب وتخدمه في السلم، تبني المدارس والمستشفيات كما بنت خطوط الصد الأولى.
الخاتمة التقويمية: بين الميدان والمجتمع
فصائل المقاومة هي المالك الفعلي لشرعية الدفاع عن العراق، لكنها إن لم تُجدّد أدواتها وتعيد هيكلة علاقتها مع المجتمع، فإنها ستبقى محاصرة في شرعية الماضي البطولي دون امتداد إلى المستقبل المدني.
الناس لا تنكر التضحيات، لكنها تطالب بتجسيدها في مشاريع تنموية وإدارية وإعلامية ناجحة.
المطلوب اليوم أن تتحول المقاومة من قوة حماية إلى قوة بناء، وأن تُدرك أن النصر الحقيقي هو في كسب وعي الناس لا فقط معارك الجبهات.
فالذي حرر الأرض بالسلاح، يمكنه أن يحرر الوعي بالفكر والقدوة، إن هو أدرك أن المقاومة لا تكتمل إلا حين تصبح ثقافة يومية وسلوكاً اجتماعياً وإصلاحاً سياسياً.
مع تمنياتي للجميع بأعادة التفكير




