الخميس - 11 يونيو 2026
منذ 8 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابو رغيف ||

 

 

 

وجّه أحد مذيعي قناة «العربية» سؤاله إلى المتحدث باسم عشائر غزة قائلاً:

«من هم الأخطر على غزة، من أشعلوا الحرب في 7 أكتوبر أم الذين سرقوا المساعدات؟»

سؤالٌ في ظاهره استفسار، وفي باطنه خيانةٌ للحقيقة وازدراءٌ للضمير.
سؤالٌ كُتب بحبرٍ ملوثٍ بالانحياز، ليُدين الضحية ويبرّئ الجلّاد، ويحوّل مأساةَ شعبٍ يُباد إلى نقاشٍ عبثي حول من سرق كيسَ طحين!

قال تعالى:

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾
آيةٌ تردّ على كل من يتجرأ على مساواة المقاوم بالمجرم، والمظلوم بالقاتل، والحرّ بالعميل.

■ قناةٌ عربية… أم عبرية؟

من يتابع «العربية» منذ اليوم الأول للحرب على غزة يدرك أنها لم تكن يوماً قناةً عربية، بل صدىً ناطقاً باسم الاحتلال الصهيوني.
أنتم من غطّى المجازر بلغةٍ باردة، تستبدلون كلمة “استشهاد” بـ “مقتل”، وكلمة “مجزرة” بـ “حادث”، وكأنكم تتحدثون عن نشرة طقس لا عن دماءٍ تُسفك.

أنتم لم تكونوا منصةَ إعلامٍ بل منصةَ تبريرٍ، تصفون الاحتلال بـ«الردّ» والمقاومة بـ«التصعيد»، وتقدّمون العدو في ثوب الدولة المسؤولة، والمظلوم في ثوب الإرهابي.

■ من أشعل الحرب؟

في السابع من أكتوبر لم يخرج الفلسطينيون ليحتلوا أرضاً، بل خرجوا ليذكّروا العالم بأن فلسطين لم تمت بعد.
خرجوا ليحرروا الأسرى، وليوقفوا تهويد القدس، وليدافعوا عن الأقصى، وليحافظوا على ما تبقّى من كرامةٍ عربيةٍ ضاعت في دهاليز التطبيع.

لقد صمدوا عامين أمام أعتى آلةٍ عسكرية في المنطقة، حطموا أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر»،
وأثبتوا أن العدو الذي يخشاه العرب مجتمعين يمكن أن تهزمه عزيمةُ رجالٍ محاصرين في شريطٍ ضيّقٍ من الأرض.

أما أنتم، فكنتم هناك… خلف الكاميرات،
تعدّون أخبار العدو خبراً خبراً، وتُعيدون بثّ روايته بحذافيرها، كأنكم الناطق الرسمي باسمه!

■ حين يصبح الإعلام سلاحاً

الإعلام الذي يبرّر القتل، ويمحو الفارق بين الجريمة والمقاومة، ليس إعلاماً بل مشاركةٌ في الجريمة.
أنتم يا كوادر «العربية» لم تنقلوا الحقيقة، بل دفنتموها تحت أكوامٍ من التجميل والتزييف.
أنتم من منَحَ العملاء لقب «المنقذين»، ومن وضع أبطال غزة في خانة «المغامرين».

هل هذا هو شرف المهنة؟
هل هذا هو ضمير الإعلام العربي الذي كنا نطمح إليه يوماً؟
أنتم خطرٌ على غزة لأنكم تخدمون العدو أكثر مما تخدمون الحقيقة.
أنتم خطرٌ لأنكم تغسلون وجه القاتل وتجلدون جسد المقتول بالكلمات.

■ شهادة الطريفي التي لا تموت

صدق الشيخ عبد العزيز الطريفي حين قال:

«لو كانت قناة العربية في زمن النبوة، ما اجتمع المنافقون إلا فيها،
ولا أُنفقت أموال بني قريظة إلا عليها.»

ولكم أن تتخيلوا المشهد:
لو كنتم في زمن بدر، لوصفتم المعركة بأنها «هجوم متطرف على قافلة تجارية»!
وفي أحد، لقلتم إن «الخسائر نتيجة سوء تقدير المقاومة»!
وفي حنين، لسمّيتم انتصار الإسلام «تصعيداً عسكرياً غير مبرر»!

■ الختام: بين السارق والكاذب

نعم، من سرق المساعدات خائن، لكن من سرق الحقيقة أكبر خيانة.
من سرق رغيفاً من فم طفلٍ جائع آثم،
لكن من سرق وعي الأمة وضميرها هو الأخطر، والأقبح، والأبعد عن الإنسانية.

يا قناة «العربية»، تذكّروا:
قد تطفئ الحرب نيرانها، وقد تُفتح المعابر،
لكن صفحات التاريخ لن تُغلق إلا وقد كُتب فيها أنكم كنتم شركاء في تزييف الحقيقة،
وأنكم وقفتم في صفّ القاتل حين كان الواجب أن تقفوا مع المقتول.
……

التاريخ سيكتب:
أنّ في زمن المجازر، كان هناك إعلامٌ عربيٌّ خان العروبة…
وسمّى دماء الشهداء «أخباراً عاجلة»
لا أكثر.