الأربعاء - 10 يونيو 2026

💎جواهر عَلَويَّةٌ: مَنْ خَذَلَ جُنْدَهُ نَصَرَ أَضْدادَهُ..!

منذ 8 أشهر
الأربعاء - 10 يونيو 2026

السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

 

📢 رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “مَنْ خَذَلَ جُنْدَهُ نَصَرَ أَضْدادَهُ”

معادلة في غاية الأهمية، لا يجوز أن يتجاهلها قائد أو حاكم أو سياسي، أو شخص يهتم لأمر وطنه، يريده أن يكون عزيزاً منيعاً قوِياً مقتدراً: من يخذل جُنَده، يفرِّط بقوته التي تحمي بلده وتدافع عنه، فيقوّي أعداءه وينصرهم من حيث يدري أو لا يدري.

الجُند في اللغة العربية: هم الأعوان والأنصار، ويُطلق خصوصاً على العسكر والجيش المنظَّم، وأصل الكلمة من الاجتماع والقوة والكثافة، سواء اجتماع الناس أو الأرض الصلبة، لذلك استُعمِلَت في السياسة للدلالة على جنود الدولة، وفي المعنى العام للدلالة على كل من يقوم مقام القوة والسَّنَد، كالجيش، والشعب، والأتباع، وكل من يعتمد عليهم القائد، أو الحاكم، أو الراعي، في مواجهة التحديات، سواء كانت تحديات عسكرية، أو أمنية، أو سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، وقد استُعمِلَت في القرآن الكريم بجميع هذه المعاني. منها جنود طالوت، وجنود جالوت، وجنود سليمان، وجنود فرعون، وجنود إبليس، وذكر القرآن أن لله جنود السماوات والأرض، وأنه لا يعلم جنود الله إلا هو، وأنه يؤيد عباده بجنود لا تُرى.

وقد تحدث الإمام أمير المؤمنين (ع) عن الجُند، وعن أهمية الدور الذي يؤدونه لصالح البلاد والعباد، ثُمَّ أوصى بكيفية اختيارهم، وذكر الصفات المطلوبة فيهم، وما يجب على الحاكم تجاههم، فقال في الكتاب الذي كتبه لمالك بن الأشتر النَّخعِيِّ:

فَالْـجُنُودُ ـ بِإِذْنِ اللهِ حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَزَيْنُ الْوُلاَةِ، وعِزُّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الأَمْنِ، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمْ… فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لِـلّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِإمَامِكَ، وَأَطْهَرَهُمْ جَيْباً، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً، مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ؛ وَيَسْترِيحُ إِلَى الْعُذْرِ، وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَيَنْبُو عَلَى الأَقْوِيَاءِ، وَمِمَّنْ لا يُثِيرُهُ الْعُنْفُ، وَلا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ… وَلْيَكُنْ آثَرُ رُؤوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ، حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ.

وإذاً، فعلى القائد والحاكم والسياسي أن يكون في خدمة الجند، وأن يوفِّر لهم جميع ما هم بحاجة إليه، من عتاد وتدريب، ورعاية لهم ولأسرهم، والثقة بهم، وتوفير الدعم المطلق لهم، فإذا كان منه العكس فأهمل حاجاتهم، ولم يوفِّر لهم التدريب والعَتاد، ولم يدعمهم في الشدائد، واستهان بتضحياتهم، واستخفَّ بجهودهم، وتركهم نُهبة لكل طامع، فقد خذلهم، والأدهى من ذلك أن يتواطأ مع عدوهم عليهم بإرادته، أو من خوفٍ منه، أو حماقة سياسية.

ومِمّا لا شكَّ فيه حين يشعر الجند أن قائدهم لا يحفظ لهم مكانتهم، ولا يبادلهم الولاء بالولاء، يتسرَّب الوهن إلى صفوفهم، وتخبو حماستهم، ويتثاقلون عن النهوض إلى واجبهم، وتكون القطيعة النفسية بينهم وبينه، وقد يثورون عليه، وبذلك يتحقَّق الشرط الأهم لنجاح الأعداء: تفكُّك الصَفّ الداخلي، ونظام سياسي واجتماعي تعصف به التوترات، فالأعداء لا يحتاجون إلى السلاح وحده، بل ينتظرون لحظة الانقسام والخِذلان، فإذا تخلى القائد عن جنده، فقد قدم لأضداده أهم ما يحتاجونه، من ضَعف في معنوياتهم، وانعدام الثقة بينهم وبين القائد، مما يجعل الخذلان نصرةً مجانية للعدو، لأن النصر في جوهره يبدأ من صلابة الصف، وقوة البنيان الداخلي.

وهذا بالضبط ما صار يُعرَفُ الآن بالحروب من الجيل الخامس، حيث يلجأ الأعداء إلى إثارة النعرات التوترات الاجتماعية والسياسية والتسبب بالهَيَجان الاجتماعي والسياسي ما يُسهِّل عليهم الانتصار على الدولة المستهدفة بأقل الخسائر.

فجر يوم الخميس الواقع في: 2/10/2025 الساعة (05:25)