201- قصة من قصص العزاء الحسيني..!
إيليا إمامي ||

قبل عشرين سنة .. نقل لي أحد أفاضل أساتذتنا حادثة سمعها عن المرحوم آية الله العظمى الشيخ جواد التبريزي رضوان الله عليه .. قال :
قبل أكثر من خمسين سنة ( يمضي عليها الآن أكثر من سبعين سنة ) كان أحد كبار تجار طهران يقود سيارته متجهاً إلى مدينة أخرى لغرض إتمام بعض الصفقات.
وكان هذا التاجر بعيداً كل البعد عن الدين ومستخفاً بعزاء الحسين عليه السلام .. وشعائره .. ويبدو أنه كان متأثراً بالموجة الشيوعية التي اجتاحت البلاد الإسلامية في ذلك الوقت.
المشكلة في هؤلاء المتأثرين أنهم لا يتعاملون بتوازن ..
فمن جهة يتلقون كل معلوماتهم وأفكارهم من خصوم الدين .. وبالمقابل لا يجالسون العلماء طيلة حياتهم .. ولا يسمعون منهم مباشرة .. وهم باختصار يعيشون في عالم منفصل لا يقتربون فيه من الممارسات الدينية .. لذا من الطبيعي أن تميل الكفة لصالح الأذن المفتوحة .. على حساب الصماء.
على كل حال فقد بدأ الثلج ينزل .. والبرد يشتد .. وعندما يجتمع البرد والثلج تصبح القضية أصعب .. وطرق إيران لم تكن معبدة جيداً .. وهكذا تعطلت سيارة التاجر .. وبقي حائراً وسط الطريق المنقطع من المارة .. يراقب الشمس وهي تغيب خلف الجبال.
كان التعب أخذ منه الكثير .. ثم الخوف على نفسه وما يحمله من أموال التجارة .. وما أسهل أن يكون لقمة سائغة لقطاع الطريق.
وبينما هو واقف ومتحير .. لاحت له من بعيد قبة مرقد أحد السادة العلويين ( إمام زاده ) على سفح أحد الجبال الصغيرة المحيطة بالطريق ( وما أكثر المراقد الصغيرة على جبال إيران ).. ولاحظ وجود الضوء وحركة الناس .. فقرر أن يصعد إلى هناك طلباً لبعض الدفء والأمان .. وربما المساعدة.
وصل التاجر إلى المزار بشق الأنفس .. فوجد أهالي القرية مشغولين بالعزاء .. والخطيب فوق المنبر يقرأ لهم مصيبة الحسين عليه السلام ويلقي مواعظه الأخلاقية .. وبعضهم يصنع الشاي .. والآخر يرتب الفراش .. وهكذا.
أخذ التاجر الطهراني زاوية من المكان ومدد رجليه ليستريح .. وهو ممتعض لأنه الرجل الواقعي والناجح في حياته .. اضطر إلى الجلوس وسط هؤلاء ( المتخلفين البعيدين عن التنوير والحياة الواقعية ).
حتى ذلك الحين .. لم يكن التاجر قد جلس في مجلس حسيني ولا مرة .. ولكنه بمرور الوقت شعر بالانجذاب التدريجي لما يقوله الخطيب .. وأخذت كلماته تسيطر على قلب التاجر .. ومفاهيم الدين تتناغم مع عقله .. وكأنه يذوق للمرة الأولى طعماً مختلفاً للمشاعر .. ويدخل عالماً جديداً كانت نفسه وفطرته متعطشة له .. وتبحث عنه بكل شغف وهي لاتعلم .. وفهم في تلك اللحظة .. أنه اكتشف طريقه إلى السعادة الروحية.
بعد تلك الليلة .. كان ذلك التاجر سبباً للبركة .. ومن أشد الداعمين مادياً لشعائر الحسين عليه السلام .. ومن أصحاب الأوقاف والخيريات في هذا المجال .. وتوطدت علاقته بذلك الخطيب الذي أنار له الطريق بكلماته .. وكان مصداقاً لقول ( ماخرج من القلب وقع في القلب ).
أما ذلك الخطيب الحسيني .. فقد كان سماحة آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله الشريف .. عندما كان شاباً في العشرينات .. قبل سبعين سنة من الآن.
وقد بلغ العمر الشريف لسماحته حتى وقت تدوين هذه القصة 101 سنة .. حيث أنه من مواليد 1921 .. نسأل الله بحق الحسين عليه السلام أن يبارك بأيامه وينفعنا به ويحشرنا معه.
كتبها في السابع عشر من صفر المظفر 1444 هـ
عبد سادته إيليا إمامي
النجف الأشرف.
https://t.me/AiliaEmame1185




