الكرد الفيليون بين التهميش والاعتراف: كتاب يكسر جدار الصمت..!
رعد صباح زنكنة ||

حين نقرأ كتاب “تاريخ الكرد الفيلييون وآفاق المستقبل” للباحث زكي جعفر الفيلي العلوي الصادر عام 2009، نشعر أننا أمام محاولة جريئة لكتابة تاريخ ظلّ طويلاً أسيراً للتجاهل والتشويه وهذا الكتاب ليس مجرد دراسة أكاديمية في الجغرافيا والتاريخ بل هو شهادة حيّة على أمة اقتُلعت من جذورها أكثر من مرة، لكنها بقيت متشبثة بالأرض والهوية والانتماء.
منذ الصفحات الأولى يكشف المؤلف عن هاجسه: أن يُكتب تاريخ الكرد الفيليين بلغة عربية صريحة حتى لا تبقى قصتهم حبيسة الذاكرة الشفهية أو مجرد حكايات مبعثرة بين المهاجر و أراد أن يُسمع الصوت الفَيلي إلى العرب والكرد معاً، وأن يكشف لهم أن وراء الجراح عالماً من الإنجازات والبطولات.
الكتاب يعيدنا إلى معاهدة قصر شيرين عام 1639 حين قُسمت الأرض وتُركت مناطق فيلية بأكملها في العراق دون أن يُستشار أصحابها ،ومنذ ذلك التاريخ تحولت الحدود إلى لعنة وصار الفيلي يعيش على الدوام بين سندان الدولتين ومطرقة السياسات الطائفية، وبلغت المأساة ذروتها في ثمانينيات القرن الماضي حين هُجّر أكثر من نصف مليون إنسان فقط لأنهم “فيليون” وشيعة.
لكن المؤلف لا يقف عند المظلومية بل يفتح صفحات مشرقة من التاريخ، من حكم الفيليين للبصرة في القرن السادس عشر إلى مساهماتهم في التجارة والسياسة والثقافة وإلى صورة المرأة الفيلية القوية الفارسة التي تشارك الرجل في الحقل وتحمل عبء الحياة بشجاعة.
الأجمل أن الكتاب لا يخشى تفكيك الأساطير السوداء التي نُسجت حول الفيليين، تلك الحكايات الساذجة التي صورتهم “أبناء الجن” فيرد عليها بمنطق التاريخ والعلم وهنا نكتشف أن التهميش لم يكن مجرد إقصاء سياسي، بل محاولة ممنهجة لتشويه صورة جماعة كاملة.
في ختام الكتاب، يطلق زكي جعفر صرخة سياسية واضحة: الفيليون لن يُمحوا، و الطريق إلى المستقبل يبدأ من توحيد أحزابهم وشخصياتهم وبناء مشروع سياسي موحد ينتزع لهم حقوقهم والرسالة صريحة: إما أن يُعترف بدورهم في عراق ديمقراطي جديد، أو تبقى الجراح مفتوحة.
الكتاب الذي قدّمه آية الله السيد هادي المدرسي ليس مجرد وثيقة تاريخية بل هو بيان سياسي بامتياز، وإنه محاولة لكسر جدار الصمت وتثبيت اسم الكرد الفيليين في سجل الشعوب التي لا تنكسر.




