الجمعة - 12 يونيو 2026
منذ 10 أشهر
الجمعة - 12 يونيو 2026

د. محمد هاشم البطاط ||

 

أذكر عندما كنتُ طالباً في مرحلة البكلوريوس، وفي إحدى المكتبات العامة في جنوب العراق، تصفحتُ كتاباً قديماً عنوانه (الله يتجلى في عصر العلم)،

الكتاب عبارة عن خلاصةٍ لتجارب العديد من العلماء الغربيين الذين توصلوا إلى أن إكتشافاتهم العلمية وتجاربهم البحثية في العلوم التي تخصصوا فيها من فيزياء وطب وفلك وكيمياء وغيرها قرّبت لديهم مسألة الإيمان بالله تعالى، ودفعتهم بقوة إلى الإقرار بوجود إرادة عليا خالقة للكون وموجِدة له؛ لما فيه من دقةٍ ورصانةٍ عاليتين،

إذ أن العلوم التطبيقية، ومجالها التجريبي المادي المحسوس، وعلى الرغم من كل محاولات فك عُرى التواشج والإرتباط بقضايا الـــ(ما ورائيات والميتافيزيقيا)، تبقى ذات صلةٍ بالجانب غير المادي عبر الإستدلال والربط الإستنباطي (فضلاً عن الإستقرائي) الذي تقوم عليه التجارب المختبرية، وبعبارة أخرى، ستبقى العلاقة بين حيزي عالمنا المادي والمعنوي على صلةٍ وثيقةٍ مهما حاول الخطاب الإلحادي المعاصر أن يُغير المعادلة التكاملية بين طرفي العلاقة.

وأعتقد أن وجود بعض نقاط التعارض والتباعد بين العلم والإيمان في بعض التفاصيل والتضاعيف خلال رحلة الاكتشافات العلمية المستمرة، تبقى في حدودها الضيقة المسيطر عليها، ولاسيما مع الإشارة الى حقيقة أن المقولات الدينية تنطوي على مساحة ليست قليلة قابلة للتأويل والتكيّف مع تقادمات الزمان وتغيرات المكان، وكذلك المكتشفات العلمية لا تقف بدورها على الأرض الصُلبة بشكلٍ مطلقٍ كما كان يُخيل للمناهج العلمية خلال القرون السالفة،

فالمقررات المعرفية/الإبستمولوجية المعاصرة أدخلت الجانب النسبي المتغير حتى في أدق الثوابت العلمية التي كان العقل يعتقد أنها غير قابلة للزحزحة أو التغيير، ألم تقلب فيزياء إسحاق نيوتن (1643-1727م) ثوابت الفيزياء التي سبقتها؟ ثم جاءت نسبية ألبرت أينشتاين (1879-1955م) لتضع حداً لهيمنة نيوتن، وتأكل التفاحة ومن معها!

والفكرة أن التي أريد أن أشير إليها أجدُ أن العالم الفرنسي لويس باستور (1822-1895م) قد لخصّها بعبارة لطيفة، إذ يقول (قليلٌ من العلم يُبعد الإنسان عن الله، ولكن الكثير منه يُعيده إليه)، وهي إشارة مرجعية لطيفة إلى أن التعارضات البادية للوهلات الأولى بين العلم والإيمان، وإن كانت قد تسبب إرباكاً للعقل المؤمن في تساؤلاته الوجودية، إلا أن الأغلبية الكبرى تبقى لتلك المؤشرات والبراهين التي تُثبت وصالاً بين الإثنين، وتؤكد على أن عالمنا ثنائي (المادة والمعنى) و(العقل والدين).

وفي عصر الذكاء الإصطناعي ووثباته المتسارعة التي أسهمت في تغيير شكل العالم، وعلاقته، وأعادت رسم الكثير من الأشياء، وما زالت مستمرة، ثمة ما يشي بأن العلم يرفد الدينَ بأدلة جديدة، كما يرفد الدينُ العلمَ بضوابط وموجّهات ضرورية، ثمة رواية عن أمير المؤمنين (ع) وردت في نهج البلاغة، يسأله أحدهم: (كيف يحاسب الله الخلق على كثرتهم؟ فقال: كما يرزقهم على كثرتهم…)، في هذه الرواية يعتمد الإمام علي (ع) دليلاً عيانياً تقريبياً للسائل يحاكي واقعه الظاهر في أن الله تعالى يمارس رزق الناس على كثرتهم، والحساب عنده تعالى نفس الشيء.

إن الموضوع الذي كان يُشكل قلقاً وجودياً ومعرفياً عند السائل حول مدى قدرة الله تعالى على أن يحاسب كماً كبيراً من الخلق في الوقت ذاته، لا يبدو كذلك في عصر الذكاء الإصطناعي، إذ أضحت هذه المقاربات واضحة جداً لدينا، فبرنامج واحد من يرامج الذكاء الإصطناعي قادر على التفاعل والتعامل مع مليارات البيانات لملايين الناس في الوقت ذاته، ويتعامل معها بكفاءة عالية، وهو لا يعدو أن تكون نتاجاً للإنسان الذي هو مخلوق من مخلوقاته تعالى، فكيف بخالق كل شيء، وهو الخلّاق العليم؟

لقد جاء جواب الأمام (ع) في سياق (كلموا الناس على قدر عقولهم)، فقارب الجواب لبيان قدرته تعالى عبر مسالة الرزق، ولو سُئل المعصوم في عصر الذكاء الإصطناعي لَلَبِس الجواب ثوباً آخر، أو ربما لن يتم طرح هكذا سؤال من الأساس، فالأمور التي كان يستصعبها العقل العادي سابقاً، صارت أمراً طبيعياً في ظل عصر الذكاء الإصطناعي، وهذا يؤكد أن مهما بلغ العلم من التطورات التي تجعل بعضنا يبالغ في التعامل معها لدرجة الإبتعاد عن الإيمان والدين، تبقى فكرة الإيمان قادرة على التعايش مع الحياة العلمية، بل وتتكامل معها في سياق التبادل النفعي الإيجابي بين العلم والإيمان،

ولله في خلقه شؤون.