الظاهرة الإسرائيلية في القرآن الكريم..!
د. محمد هاشم البطاط ||

إن التأمل في الكثرة الوفيرة من الآيات التي عالج فيها القرآن الكريم موضوعةَ بني إسرائيل من خلال سردٍ تحليلي لتأريخهم، وتشريحٍ لطبيعة علاقتهم بالفكر التوحيدي، وصراعهم الجدلي ضد مسألة الإيمان بالله تعالى، والعلاقة الإشكالية مع أنبياء الله المتعددين الذين أُرسلوا إليهم تترى،
فبين الإيمان المضطرب بالنبي موسى (ع) وشريعته إلى قتل الأنبياء السابقين واللاحقين بشكل مثير للدهشة، بما يكشف عن عقلية تآمرية بإمتياز لا تحترم أي إلتزام أخلاقي أو وفاء بعهدٍ أو ميثاق، إلى غيرها من الصفات والخصائص التي تظهر للعيان في القراءة المتأنية لآيات الكتاب الكريم في تشريحها للظاهرة الإسرائيلية.
إن الآيات القرآنية التي قامت بالتشريح والتحليل ليست بالقليلة بما يجعلنا نتساءل عن الأبعاد التي تكمن خلف هذه الكثرة في خطابٍ حكيمٍ لا يقبل الزيادة والكثرة إلا لغاياتٍ وأهدافٍ مقصودة، وليس من قبيل الصدفة أن تكون قصة النبي موسى (ع) هي القصة الأكثر تعرضاً وتناولاً في كل القران الكريم مقارنة بقصص سائر الأنبياء والمرسلين.
ومن وجهة نظري المتواضعة أعتقد أن مردّ هذا التعامل والإهتمام الخاص يعود إلى عدة أسباب أهمها: هو أن العناية القرآنية القاصدة إلى تشريح الظاهرة الإسرائيلية ترتكز على مرتكز أن هذه الظاهرة ستمثل العقبة الكأداء والتحدي الأكبر أمام إستقرار ونجاح الشريعة الإسلامية في تحقيق الظهور الديني الشامل للإسلام، وتحقيق الوعد الإلهي للنبي الخاتم (ص) والمسلمين بأن (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)،
وبعبارة أخرى، يريد القران الكريم أن يؤسس لفكرة أن الجماعة الاسلامية لن تتمكن من أن تحقق مشروع الخاتمية الاسلامية التي ستنتشر في مختلف أصقاع العالم، والتي على المسلمين العمل عليها، بل ولن يعيش المسلمون بهناءٍ وإستقرار، ما دامت الظاهرة الإسرائيلية تحظى بالقوة والحيوية، ومن هنا عَمَدَ القرانُ الكريم الى تشريح هذه الظاهرة، وتحليلها للمسلمين، وبيان طبيعة هذه الجماعة: دوافعها،
ميكانزمات/آليات تفكيرها، غاياتها، عدوانيتها، نسقها الفكري القائم على الإقصاء/الإستبعاد والإستعباد/التدمير، بل وحتى بيان بعض وسائل التعامل معها، مع توضيح لنقاط الضعف والهنات التي تعتريهم، ومآلاتهم اللاحقة عند تحقيق الوعد الإلهي بالنصر للمسلمين في النهاية.
أي كأن القران الكريم يريد أن يؤسس لفكرة أنكم أيها المسلمون إن أردتم تحصيل النصر المتضَمن في الوعد الإلهي لكم، وتحقيق النجاح الكاشف عن خاتمية الشريعة الإسلامية، فعليكم أن تفهموا أبرز الجماعات التي ستشكل تحدياً كبيراً أمام مشروعكم،
ولهذا قدّم الكتاب الكريم سوراً وآيات كثيرة تخدم هذه الغاية المركزية في المنظور القرآني، وربما أن قراءة هذه السور والآيات وفقاً لهذا المنظور يمكن أن يسهم في فهم هذه الظاهرة، وكيفية التعامل معها في ظل الظروف الإشكالية التي تعيشها الأمة الإسلامية حالياً، ولاسيما في ظل مشروع الفتك المستمر بأهالي غزة، وإغراق المنطقة في متوالية الفوضى والتقسيم.




