الجمعة - 12 يونيو 2026
منذ 10 أشهر
الجمعة - 12 يونيو 2026

د. محمد هاشم البطاط ||

 

 

في كتابه ذائع الصيت (المائة الأوائل The 100; A Ranking of the Most Influential Persons in History )، سعى العالم الأمريكي مايكل هارت (1932-2011م) الى البحث عن الشخصيات العالمية الأكثر تأثيراً على طول المسار التاريخي للإنسانية، فخرج بقائمة تضم (100) شخصية ذات التأثير العالمي في مختلف الميادين والمجالات، فأدخل الأنبياء والمصلحين والعلماء التجريبيين وقادة سياسيين وتأريخيين وغيرهم، ومن الذين كانوا في القائمة: النبي محمد (ص) والنبي موسى (ع) والنبي عيسى (ع) وبوذا وكونفشيوس والأسكندر الكبير وفيثاغورس وأفلاطون وأرسطو وإسحاق نيوتن وتشارلز داروين وألبرت أينشتاين ومارتن لوثر وعمانؤيل كانت وفردريك هيغل وغيرهم.

ويؤكد هارت أن ترتيب الشخصيات المائة داخل الكتاب ليس عشوائياً أو إعتباطياً، وإنما تم على أساس معايير وشرائط محددة تقوم على تحديد مديات التأثير وفقاً لمعيار التأثير التأريخي الذي من خلاله يتم إختبار مديات تأثير الشخصية على البشرية كافة على طول الخط التأريخي، مع تأكيد أهمية إستمرار التأثير بعد وفاة الشخصية المؤثرة، والحفاظ على زخم التأثير التصاعدي بوتيرته عمودياً (الخط الزمني التاريخي) وأفقياً (شمولية التأثير على أكبر قدر من الناس)، بالإضافة الى معيارية تغيير المسار التأريخي عبر تأسيس دولة أو حضارة تسهم في صناعة الإنعطافات المركزية في التاريخ، ومن خلال هذه المعايير يبدأ هارت بإختبار الشخصيات جميعاً ليتوصل إلى الشخصية الأولى ضمن القائمة هو النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله).

ومن الأهمية بمكان الإشارة الى ان مايكل هارت ليس مسلماً؛ ليكون تقييمه المعياري تبعاً للميول العَدية أو الآيديولوجية، وإنما اعتبر ان هذه الشخصية تمكنت من أن تفرض تأثيراً كبيراً على طول المسار التأريخي منذ بعثه، وحتى الآن، لمدة تتجاوز ال1400 عام، وأثّر في مليارات الناس على طول هذه المدة، في مختلف مجالات حياتهم الروحية والاجتماعية والسياسية، كما بدأ التأثير في حياة النبي (ص) وليس لاحقاً بعد وفاته، وإستمر بعد ذلك بشكل تصاعدي، وتمكّن من أن يؤسس دولةً وحضارةً واسعة في الجزيرة العربية وما بعدها، وتمكن أن يؤثر على الأمبراطوريات الأخرى، ويفرض عليها واقعاً جديداً، فعلى سبيل المثال، وبالمقارنة مع المسيح عيسى (ع)، لم يتمكن الاخير من صنع التأثير الشامل والمباشر، بل كان تأثيره روحانياً، ونقلياً عبر أتباعه من بعده، بينما كان تأثير النبي (ص) شاملاً على المستويات الروحية والإجتماعية والسياسية، وبشكل مباشر في حياته، فضلاً بعد رحيله.

وقد أجاد هارت التشخيص في هذا السياق، إذ أن من الصعوبة بمكان أن تتمكن شخصية مؤثرة في أن تجمع في حِراكها التغييري المساراتَ التي لا تجتمع، غالباً، في التاُثير التأريخي، أي أن تجمع بين الجانب الروحي المعنوي عبر الإتيان بدينٍ جديد يٌغير الإنسان/المجتمع، ويقدم مقاربة جديدة في العلاقة الروحية بين الإنسان والخالق، بل وبين الإنسان وكل ما حوله في حالةِ تناغم معنوي رفيع، وفي الوقت ذاته تقود الحروب وتنظم الحياة الاجتماعية والسياسية، لتؤسس دولة جديدة، ومن ثم حضارة عالمية غيّرت التأريخ بشكل ملفت، ويكفي في عظمة شخصيته (ص) وتواضعه الكبير أنه في الوقت الذي كان يراسل فيه كُسرى وهرقل والمقوقس،

وهم كبار أباطرة وعظماء زمانهم، يدخل الإعرابي الى مجلسه فيجد جلسة دائرية لا تظهر فيها أية معالم التمايز أو التباين بين الحاكم والمحكوم، ليتسائل قائلاً لهم: أيُّكم محمد؟؟